الشيخ محمد رضا نكونام

16

حقيقة الشريعة في فقه العروة

عن أدلّتها التفصيليّة ، وقد يطلق الفقه أيضاً على علم طريق الآخرة وحصول ملكة تُفيد الإحاطة بحقائق الأمور الدنيويّة ومعرفة دقائق آفات النفوس بحيث يستولي القلبَ الخوف عليها ، فتُعرض عن الأمور الفانية وتُقبل على الأمور الباقية ، وهو المراد من قوله صلى الله عليه وآله : « ألا أنبّئكم بالفقيه كلّ الفقيه ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ، قال : من لم يقنط الناس من رحمة اللّه ، ولم يُؤمنهم من مكر اللّه ، ولم يُؤْيِسْهم من رَوْح اللّه ، ولم يدع القران رغبةً عنه إلى ما سواء » « 1 » . والفهم هو تصوّر الشيء من لفظ المخاطب ، والإفهام هو ايصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع ، والفقه هو العلم بغرض المتكلّم من كلامه ، وهذا بعد فهم المعنى من اللفظ قطّ ، وبعبارةٍ أخرى المعنى غير المقصود ؛ لأنّ الفهم تصوّر المعنى للفظ ، والفقه إدراك المقصود من معنى اللفظ ، فالفقه الإدراك لغرض المعنى وغايتها للشيء ، وذلك متأخّر عن الأوّل طبعاً ، كما أنّ الثاني ؛ أي : إدراك المقصود أفضل وأشرف وأدقّ من إدراك المفهوم والمعنى للشيء ؛ فعلى هذا ، ما في المعالم وغيره من أنّ الفقه في اللغة الفهم ليس بجيّدٍ ، ولا يكون الفقه في اللغة بمعنى الفهم مطابقةً ، بل الفقه فوق الفهم للمعنى وإن كان الفهم لمعنى الشيء أيضاً موجوداً في معنى الفقه ؛ لأنّ فهم المقصود يكون قهراً بعد فهم المنطوق ، لا بالعكس ؛ فلا يكون الفقه بمعنى الفهم فقط ، بل هو فهم المعنى والمقصود من الكلام معاً ، فيكون الفقيه فهيماً للمعنى والمقصود من ظواهر الشريعة الموجودة في الأحكام الشرعيّة . فعلى هذا ، لا يكون شأن الفقيه فهم المعنى من الظاهر فقط ، بل شأنه إدراك المقصود وبيانه بقدر البضاعة اللازمة والطاقة البشريّة مع شدّة الاهتمام للفحص والدقّة ؛ مضافاً إلى أنّ ذلك لا ينحصر بالأحكام التكليفيّة والوضعيّة فقط ، بل هو أعمّ بالنسبة إلى جميع ما في

--> ( 1 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 36