الشيخ الأميني
210
المقاصد العلية في المطالب السنية
الأوّل : وجود عالم عرضٍ وجمعٍ قبل هذا العالم الموجود ، وخلق الذراري البشريّة عن الظهور الأمرية . ولكون ذرّية كلّ رجلٍ مأخوذا من صلبه مع كون جميعهم من صلب آدم صحّ أن يقال : إنّ اللّه تعالى أخذهم من صلب بني آدم ، كما يصحّ أن يقال : إنّه أخذهم من صلب آدم . فاختلاف التعبير في الآية والحديث من جهة هذا الاستعمال السائغ الشائع الذي لا مجالَ للطعن فيه . الثاني : إشهاد الخلق على أنفسهم وإنطاقهم وأخذ الميثاق عنهم بالربوبيّة والنبوّة والولاية وبيان لسان استنطاقهم والإخبار عن تلبيتهم وإقامة الشهود عليهم . الثالث : نتيجة ذلك الخلق والتكليف إقامة الحجّة بذلك على المعتذرين وقطع عذرهم . وذلك أنّ أخذ الميثاق والتكليف في الخلق الأوّل لمّا كان يتجلّى الرّب على جميع العباد وتعريفه نفسه بقوله : إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا وأنا الرحمن الرحيم ، وخطابه إليهم معاينةً بقوله « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ » بمرئى ومسمعٍ واحدٍ ، كان أخذه مواثيقهم بالربوبيّة والولاية بخطابٍ واحدٍ من متكلّمٍ واحدٍ في مجمعٍ واحدٍ على حالٍ واحدٍ ، لا ينبغي لأحدٍ أن يعتذر بالغفلة ، ولا بأنّما أشرك آبائي من قبل لتسوية الكلّ في الكلّ ، وعدم تقدّم تكليف الآباء على الأبناء وعدم مزيّة أحدهم على الآخر في أمرٍ يقتضي المحل لهذا الاعتذار . فوحدة جميع الأفراد البشريّة حالًا ومحلّا وزمانا وتكليفا وخلقا واشتراكهم في جميع الخصوصيّات قاطع وجوه الاعتذار نافي موضوعه كما لا يخفى . ثمّ لا يخفى عليك أنَّ جملة الذين أوّلوا الآية خلاف ما نصّ به أهل بيت العلم والعصمة قد اكتفى اللاحق منهم في مقام الردّ لمجرّد نقل الخلاف عن سابقه ، واتّبع بعضهم بعضا صمّا وبكما وعميا من غير تأمّلٍ وتدبّرٍ . فأنت لو تتأمّل كلماتهم وتتحرّى أقوالهم تجد مرجعها ومآل جميعها إلى خلافٍ واحدٍ اشتبه عليه الأمر وخفي عليه الحقّ ! ألا ترى أنَّ واحدا منهم قال في مقام الرّد على أخبار المسألة : رووا في ذلك آثارا بعضها مرفوعةٌ وبعضها موقوفٌ وجعلوها تأويلًا للآية « 1 » ، ثمّ اتّبع من بعده إليه واستند في مقام الردّ لمجرّد هذا الكلام من غير تحقيقٍ وتدقيقٍ عن الحقيقة ! وإلّا كيف يتّبع المتأمّل الواقف على
--> ( 1 ) . لاحظ تفسير مجمع البيان : 4 / 390 ذيل تفسير الآية الشريفة .