الشيخ الأميني
18
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )
وإنّي لست أدري أنّ هذه المفاضلة المتسالم عليها بين الصحابة في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لماذا نسيها أولئك العدول بموته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ ولماذا لم يصفقوا على ذلك الاختيار الذي كان يسمعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلا ينكره ؟ ووقع الخلاف والتشاحّ والتلاكم والتشاتم والنزاع ، حتى كاد أن يقتل صنو النبيّ الأعظم في تلك المعمعة ، ورأت بضعته الصدّيقة ما رأت ، ووقعت وصمات لا تنسى طيلة حياة الدنيا ، وأرجئ دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثلاثا ، وكانت الصحابة بمعزل عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعن إجنانه « 1 » ، وما حضر الشيخان دفنه « 2 » . قال النووي في شرح صحيح مسلم « 3 » : كان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحا لأنّهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين ، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتّب عليه مفاسد عظيمة ، ولهذا أخّروا دفن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهمّ الأمور ، كي لا يقع نزاع في مدفنه ، أو كفنه ، أو غسله ، أو الصلاة عليه ، أو غير ذلك . ثم لو كان الأمر كما زعم ابن عمر من الاختيار فتقديم أبي بكر يوم السقيفة الرجلين : عمر وأبا عبيدة على نفسه وقوله : بايعوا أحد الرجلين ، أو قوله : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم . لماذا ؟ ولماذا قول أبي بكر لأبي عبيدة الجرّاح حفّار القبور : هلّم أبايعك فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : إنّك أمين هذه الأمّة ؟ تاريخ ابن عساكر « 4 » ( 7 / 160 ) .
--> ( 1 ) يقال : أجنّه في قبره ، أي : دفنه . ( 2 ) راجع ما أسفلناه في الجزء السابع : ص 75 . ( المؤلّف ) ( 3 ) [ شرح صحيح مسلم : 12 / 78 ] في كتاب الجهاد ، باب قول النبيّ لا نورث ما تركنا فهو صدقة ، عند قول عليّ عليه السّلام لأبي بكر : لكنّك استبددت علينا بالأمر وكنّا نحن نرى لنا حقّا لقرابتنا من رسول اللّه . ( المؤلّف ) ( 4 ) تاريخ مدينة دمشق : 25 / 463 رقم 3051 ، وفي مختصر تاريخ دمشق : 11 / 269 .