الشيخ الأميني

343

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )

فريقا من الذين اختصموا في قضيّة عثمان دون فريق ، فلست عثمانيّ الهوى ، ولست شيعة لعليّ ، ولست أفكّر في هذه القضيّة كما كان يفكّر فيها الذين عاصروا عثمان واحتملوا معه ثقلها وجنوا معه أو بعده نتائجها . وأنا أعلم أنّ الناس ما زالوا ينقسمون في أمر هذه القضيّة إلى الآن كما كانوا ينقسمون فيها أيّام عثمان ؛ فمنهم العثمانيّ الذي لا يعدل بعثمان أحدا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد الشيخين ، ومنهم الشيعيّ الذي لا يعدل بعليّ رحمه اللّه بعد النبيّ أحدا ، لا يستثني الشيخين ولا يكاد يرجو لمكانهما وقارا ، ومنهم من يتردّد بين هذا وذاك ، يقتصد في عثمانيّته شيئا ، أو يقتصد في تشيّعه لعليّ شيئا ، فيعرف لأصحاب النبيّ كلّهم مكانتهم ، ويعرف لأصحاب السابقة منهم سابقتهم ، ثم لا يفضّل بعد ذلك أحدا منهم على الآخر ، يرى أنّهم جميعا قد اجتهدوا ونصحوا للّه ولرسوله وللمسلمين ، فأخطأ منهم من أخطأ ، وأصاب منهم من أصاب ، ولأولئك وهؤلاء أجرهم لأنّهم لم يتعمّدوا خطيئة ولم يقصدوا إلى إساءة ، وكلّ هؤلاء إنّما يرون آراءهم هذه يستمسكون بها ويذودون عنها ويتفانون في سبيلها ، لأنّهم يفكّرون في هذه القضيّة تفكيرا دينيّا ، يصدرون فيه عن الإيمان ، ويبتغون به ما يبتغي المؤمن من المحافظة على دينه والاستمساك بيقينه وابتغاء / رضوان اللّه بكلّ ما يعمل في ذلك أو يقول . وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضيّة نظرة خالصة مجرّدة لا تصدر عن عاطفة ولا هوى ، ولا تتأثّر بالإيمان ولا بالدين ، وإنّما هي نظرة المؤرّخ الذي يجرّد نفسه تجريدا كاملا من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها . . . إلخ . هكذا يحسب الدكتور ويبدي أنّه لا يروقه النزول على حكم العاطفة ولا التحيّز إلى فئة أو جنوح إلى مذهب ، وقد تجرّد فيما كتب عن كلّ ذلك حتى عن الإيمان والدين ، وزعم أنّه قصر نظرته في قضايا عثمان على البساطة ليتسنّى له الحكم