الشيخ الأميني
24
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )
كان ابن مسعود أوّل من جهر بالقرآن بمكة ، اجتمع يوما أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقالوا : واللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ ، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال عبد اللّه بن مسعود : أنا . قالوا : إنّا نخشاهم عليك ، إنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه ، قال : دعوني فإنّ اللّه سيمنعني ، قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى ، وقريش في أنديتها ، حتى قام عند المقام ثمّ قرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - رافعا بها صوته - الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ . قال : ثمّ استقبلها يقرؤها ، قال : وتأمّلوه ، فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أمّ عبد ؟ قال : ثمّ قالوا : إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقاموا إليه ، فجعلوا يضربون في وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ ، ثمّ انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا في وجهه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك ، فقال : ما كان أعداء اللّه أهون عليّ منهم الآن ، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدا ، قالوا : لا ، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون « 1 » . وقد هذّبته تلكم الأحوال وكهربته ، فلم يسق لمغضبة على باطل ، ولم يحده طيش إلى غاية ، فهو إن قال فعن هدى ، وإن حدّث فعن الصادع الكريم صدقا ، وإن جال ففي مستوى الحقّ ، وإن صال فعلى الضلالة ، وعرفه بذلك من عرفه من أوّل يومه ، وكان معظّما مبجّلا لدى الصحابة وكانوا يحذرون خلافه والردّ عليه ويعدّونه حوبا . قال أبو وائل : إنّ ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره فقال : ارفع إزارك . فقال : وأنت يا بن مسعود فارفع إزارك . فقال : إنّي لست مثلك إنّ بساقي حموشة وأنا آدم « 2 » الناس . فبلغ ذلك عمر ، فضرب الرجل ويقول « 3 » : أتردّ على ابن مسعود « 4 » ؟
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام : 1 / 337 [ 1 / 336 ] . ( المؤلّف ) ( 2 ) كذا في الإصابة ، وفي كنز العمّال : أؤم . ( 3 ) كذا في الإصابة ، وفي تاريخ دمشق : 33 / 149 رقم 3573 ، وسير أعلام النبلاء : 1 / 491 - 492 رقم 87 ، وكنز العمّال : فجعل يضرب الرجل ويقول . ( 4 ) الإصابة : 2 / 370 [ رقم 4954 ] ، كنز العمّال : 7 / 55 [ 13 / 464 رقم 37206 ] . ( المؤلّف )