الشيخ الأميني

23

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )

وهو التاريخ الصحيح الذي لم يقصد به إلّا ضبط الحقائق على ما هي عليه ، فلم تعبث به أغراض مستهدفة ، ولم يعث فيه نزعات أهوائية ، ككثير ممّا ألّف من زبر التاريخ التي روعي في جملة منها جلب مرضاة القادة والأمراء ، أو تدعيم مبدأ أو فكر مفكّر ، أو أريد به التحليق بأشخاص معلومين إلى أوج العظمة ، والإسفاف بآخرين إلى هوّة الضعة ؛ لمغاز هنالك تختلف باختلاف الظروف والأحوال . أو اختلط « 1 » فيه الحابل بالنابل بتوسّع المؤلّفين لما حسبوه من أنّ الإحاطة بكلّ ما قيل توسّع في العلم ، وإحسان في السمعة ؛ ذهولا منهم عن أنّ مقادير الرجال بالدراية لا بالرواية « 2 » ، فأدخلوا في التاريخ هفوات لا تحصى ، غير شاعرين بأنّ رواة تلك السفاسف زبائن عصبة ، وحنّاق على عصبة ؛ أو أنّهم قصّاصون غير مكترثين من الإكثار في النقل الخرافيّ أو الافتعال ؛ إكبارا للسمعة ، أو نزولا على حكم النهمة ، فتلقّتها عنهم السذّج في العصور المتأخّرة كحقائق راهنة ، وتنبّه لها المنقّب فوجدها أحاديث خرافيّة فرفضها ، غير مبال بالطعن على التاريخ ، فلا شعر أولئك أنّها وليدة تقاليد أو مطامع ، ولا عرف هذا أنّ الآفة في ورطات القالة ، وسوء صنيع / الكتبة ، لا في أصل الفنّ ، ولو ذهبنا إلى ذكر الشواهد لهذه كلّها لخرج الكتاب عن وضعه . هكذا خفيت الحقيقة بين مفرط ومفرّط ، وذهبت ضحيّة الميول والشهوات ،

--> ( 1 ) معطوف على قوله : « روعي » قبل أسطر ، وقد ذكّر الضمير هنا في قوله : « اختلط فيه » ؛ لأنّ المراد من « زبر التاريخ » نفس التاريخ . ( 2 ) في كتاب زيد الزرّاد عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال : قال أبو جعفر عليه السّلام : « يا بنيّ اعرف منازل شيعة عليّ على قدر روايتهم ومعرفتهم ، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجة الإيمان . إنّي نظرت في كتاب لعليّ عليه السّلام فوجدت فيه : أنّ زنة كلّ امرئ وقدره معرفته ، إنّ اللّه يحاسب العباد على قدر ما آتاهم من العقول » . وفي غيبة النعماني : ص 70 [ ص 141 باب 10 ح 2 ] في حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام : « خبر تدريه خير من عشر ترويه ؛ إنّ لكلّ حقّ حقيقة ، ولكلّ صواب نورا » . وفي كشف الغمّة للشعراني : 1 / 40 [ 1 / 22 ] : كان عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه يقول : « كونوا للعلم وعاة ، ولا تكونوا له رواة » . ( المؤلّف )