السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

كلمة حول الرؤية 22

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

ما ليس بجسم ولا عرض لا يمكن أن يكون في جهة أبدا ؟ وكيف يطلب موسى هذا المحال ، وهو الذي قال - حين أخذت الرجفة أولئك الذين قالوا له : « أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً » « 1 » : « أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا » « 2 » الآية ، وقد برئ من فعلهم ، ودعاهم سفهاء وضلّالا ؟ - قال : - قلت : ما كان طلب الرؤية إلّا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلّالا وتبرّأ من فعلهم ، وليلقمهم الحجر ، وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم ، وأعلمهم الخطأ ، ونبّههم على الحقّ ، فلجّوا وتمادوا في لجاجهم ، وقالوا : لابدّ من ذلك ولن نؤمن حتّى نرى اللّه جهرة ، فأراد أن يسمعوا النصّ من عنداللّه باستحالة ذلك ، وهو قوله تعالى : « لَنْ تَرانِي » ؛ ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة ؛ فلذلك قال : « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » . - قال : - فإن قلت : فهلّا قال : أرهم ينظروا إليك ؟ - قال : - قلت : لأنّ اللّه سبحانه إنّما كلّم موسى وهم يسمعون ، فلمّا سمعوا كلام ربّ العزّة أرادوا أن يري موسى ذاته تعالى فيبصروه معه ، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه إرادة مبنيّة على قياس فاسد ؛ فلذلك قال موسى : « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » . ولأنّه إذا زجره اللّه عمّا طلبه لنفسه « 3 » ، وأنكره عليه - في نبوّته واختصاصه وزلفته عند اللّه تعالى - وقال له : لن يكون ذلك أبدا ، كان غيره أولى بالإنكار ، ولأنّ الرسول إمام امّته فكان ما يخاطبه به « 4 » راجعا إليهم . وقوله : « أَنْظُرْ إِلَيْكَ » وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم دليل على أنّه ترجمة عن مقترحهم ، وحكاية لقولهم ، وجلّ صاحب الجبل أن يجعل اللّه منظورا إليه مقابلا بحاسّة النظر ، وهو « 5 » أعرق في معرفة اللّه تعالى من واصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد ، والنظّام ، وأبي الهذيل ، والشيخين ، وجميع المتكلّمين . - قال : - فإن قلت : ما معنى « لن » ؟

--> ( 1 ) - . النساء 153 : 4 . ( 2 ) - . الأعراف 155 : 7 . ( 3 ) - . في المصدر : « إذا زجرعمّا طلب وأنكر » . ( 4 ) - . في المصدر : « يخاطب به أو ما يخاطب » . ( 5 ) - . في المصدر : « فكيف بمن هو . . . » .