السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

50

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

أولياؤهم من أعلام الإماميّة كافّة ، فقالوا : إنّ لفظ « الميراث » في اللغة والشريعة لا يطلق إلّا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال ، ولا يستعمل في غير المال إلّا على طريق المجاز والتوسّع ، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة . وأيضا فإنّ زكريّا عليه‌السلام قال في دعائه : « وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا » أي اجعل يا ربّ ذلك الوليّ الذي يرثني مرضيّا عندك ، ممتثلا لأمرك . ومتى حملنا الإرث على النبوّة لم يكن لذلك معنى وكان لغوا عبثا ، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد : اللّهمّ ابعث لنا نبيّا ، واجعله عاقلا مرضيّا في أخلاقه ؟ لأنّه إذا كان نبيّا فقد دخل الرضى وما هو أعظم من الرضى في النبوّة . ويقوّي ما قلناه أنّ زكريّا عليه‌السلام صرّح بأ نّه يخاف بني عمّه بعده بقوله : « وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي » . وإنّما يطلب وارثا ؛ لأجل خوفه ، ولا يليق خوفه منهم إلّا بالمال دون النبوّة والعلم ؛ لأنّه عليه‌السلامكان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّا من هو ليس بأهل للنبوّة ، وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل ؛ ولأنّه إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فكيف يخاف الأمر الذي هو الغرض في بعثته ؟ فإن قيل : هذا يرجع عليكم في وراثة المال ؛ لأنّ في ذلك إضافة البخل إليه . فالجواب : معاذ اللّه أن يستوي الأمران ، فإنّ المال قد يرزقه المؤمن والكافر ، والصالح والطالح ، ولا يمتنع أن يأسى على بني عمّه ؛ إذ كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي ، بل في ذلك غاية الحكمة ، فإنّ تقوية أهل الفساد وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة في الدين والعقل ، فمن عدّ ذلك بخلا فهو غير منصف . وقوله : « خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي » يفهم منه أنّ خوفه إنّما كان من أخلاقهم وأفعالهم « 1 » . والمراد خفت المو إلي أن يرثوا بعدي أمو إلي فينفقوها في معاصيك ، فهب لي يا ربّ ولدا رضيّا يرثها ؛ لينفقها فيما يرضيك . وبالجملة ، لا بدّ من حمل الإرث في هذه الآية على إرث المال دون النبوّة وشبهها ، حملا للفظ « يرثني » على معناه الحقيقي المتبادر منه إلى الأذهان ، إذ لا قرينة هنا على النبوّة ونحوها ، بل القرائن في نفس الآية متوفّرة على إرادة المعنى الحقيقي دون المجاز .

--> ( 1 ) - . قاله العلّامة الطبرسي في مجمع البيان 503 : 3 ، ذيل الآية 6 من سورة مريم 19 .