السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
153
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
فبينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم هو وسهيل بن عمرو يكتبان الكتاب بالشروط المذكورة إذ جاء أبو جندل - واسمه العاص بن سهيل بن عمرو - إلى المسلمين يرسف في قيوده ، وكان أسلم بمكّة قبل ذلك ، فمنعه أبوه من الهجرة وحبسه موثوقا ، وحين سمع أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الحديبية احتال حتّى خرج من السجن ، وتنكّب الطريق في الجبال حتّى هبط على المسلمين ، ففرحوا به وتلقّوه ، لكن أخذه أبوه بتلابيبه يضرب وجهه ضربا شديدا ( 1 ) وهو يقول : يا محمّد ، هذا أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ . فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّا حتّى الآن لم نفرغ من كتابة الكتاب » قال سهيل : إذن لا أصالحك على شيء ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « فأجره لي » قال : ما أنا بمجيره لك ، قال : « بلى فافعل » قال : ما أنا بفاعل ، فقال مكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزّى - وهما من وجوه قريش - : قد أجرناه لك يا محمّد ، فأخذاه وأدخلاه فسطاطا وكفّا أباه عنه ، ثمّ قال سهيل : يا محمّد ، قد تمّت القضيّة ، ووجبت بيني وبينك قبل أن يأتي ابني إليك ، قال : « صدقت » . وحينئذ قال صلى الله عليه وآله وسلم لأبي جندل : « اصبر واحتسب فقد تمّ الصلح قبل أن تأتي ، ونحن لا نغدر ، وقد تلطّفنا بأبيك فأبى ، وإنّ اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا » « 1 » . وهنا وثب عمر بن الخطّاب إلى أبي جندل يغريه بقتل أبيه ، ويدني إليه السيف ، قال عمر - كما في السيرة الدحلانيّة وغيرها - : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه ، وجعل يقول له : إنّ الرجل يقتل أباه ، واللّه ، لو أدركنا آباءنا لقتلناهم ، لكنّ أبا جندل
--> ( 1 ) - . راجع : الكامل في التاريخ 204 : 2 - 205 حوادث سنة 6 ؛ السيرة الحلبيّة 710 : 2 ؛ السيرة النبويّة للدحلاني 192 : 2 .