السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

134

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

تلك الأوامر ولا سيّما عمر ؛ فإنّه كان يعلم من نفسه أنّه موفّق للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام من اللّه تعالى ، وقد أراد التخفيف عن النبيّ ؛ إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع ، وقد رأى رضي الله عنه أنّ ترك إحضار الدواة والبياض أولى . وربما خشي أن يكتب النبيّ عليه‌السلام أمورا يعجز عنها الناس ، فيستحقّون العقوبة بسبب ذلك ؛ لأ نّها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها . ولعلّه خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب ؛ لكونه في حال المرض فيصير سببا للفتنة ، فقال : حسبنا كتاب اللّه ؛ لقوله تعالى : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » « 1 » ، وقوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » « 2 » . وكأ نّه رضي الله عنه أمن من ضلال الامّة ، حيث أكمل اللّه لها الدين ، وأتمّ عليها النعمة . - قال رحمه الله : - هذا جوابهم وهو كما ترى ؛ لأنّ قوله عليه‌السلام : « لا تضلّوا » يفيد أنّ الأمر أمر عزيمة وإيجاب ؛ لأنّ السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة بلا ارتياب ، واستياؤه صلى الله عليه وآله وسلم منهم ، وقوله لهم : « قوموا » حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أنّ الأمر إنّما كان للإيجاب لا للمشورة . - قال : - فإن قلت : لو كان واجبا ما تركه النبيّ عليه‌السلام بمجرّد مخالفتهم ، كما أنّه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين . فالجواب : أنّ هذا ا لكلام لو تمّ فإنّما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبيّ بعد معارضتهم له عليه‌السلام . وهذا لا ينافي وجوب الإتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبيّ به ، وبيّن لهم أنّ فائدته الأمن من الضلال ؛ إذ الأصل في الأمر إنّما هو الوجوب على المأمور لا على الآمر ، ولا سيّما إذا كانت فائدته عائدة إلى المأمور خاصّة ، والوجوب عليهم هو محلّ الكلام ، لا الوجوب عليه . - قال : - على أنّه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا ، ثمّ سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم

--> ( 1 ) - . الأنعام 38 : 6 . ( 2 ) - . المائدة 3 : 5 .