السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

417

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

النصوص قولا وفعلا على تأميره ، فلم يكن منهم إلّا لحداثته مع كونهم بين كهول وشيوخ ، ونفوس الكهول والشيوخ تأبى - بجبلّتها - أن تنقاد إلى الأحداث ، وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبّان ، فكراهتهم لتأميره ليست بدعا منهم ، وإنّما كانت على مقتضى الطبع البشري ، والجبلّة الآدميّة ، فتأمّل . وأمّا طلبهم عزل اسامة بعد وفاة الرسول ، فقد اعتذر عنه بعض العلماء بأنّهم ربما جوّزوا أن يوافقهم الصدّيق على رجحان عزله ؛ لاقتضاء المصلحة بحسب نظرهم . هكذا قالوا « 1 » . والإنصاف أنّي لا أعرف وجها يقبله العقل في طلبهم عزله بعد غضب النبيّ من طعنهم في تأميره ، وخروجه بسبب ذلك محموما معصّبا مدّثّرا ، وتنديده بهم في خطبته تلك على المنبر التي كانت من الوقائع التاريخيّة الشائعة بينهم ، وقد سارت كلّ مسير ، فوجه معذرتهم بعدها لا يعلمه إلّا اللّه تعالى . وأمّا عزمهم على إلغاء البعث ، وإصرارهم على الصدّيق في ذلك ، مع ما رأوه من اهتمام النبيّ في إنفاذه ، وعنايته التامّة في تعجيل إرساله ، ونصوصه المتو الية في ذلك ، فإنّما كان منهم احتياطا على عاصمة الإسلام أن يتخطّفها المشركون من حولهم إذا خلت من القوّة ، وبعد عنها الجيش ، وقد ظهر النفاق بموت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقويت نفوس اليهود والنصارى ، وارتدّت طوائف من العرب ، ومنع الزكاة طوائف أخرى ، فكلّم الصحابة سيّدنا الصدّيق في منع اسامة من السفر فأبى ، وقال : واللّه ، لأن تخطّفني الطير أحبّ إليَّ من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم . هذا ما نقله أصحابنا عن الصدّيق « 2 » . وأمّا غيره فمعذور من ردّ البعث ، إذ لم يكن لهم مقصد سوى الاحتياط على الإسلام . وأمّا تخلّف أبي بكر وعمر وغيرهما عن الجيش حين سار به اسامة ، فإنّما كان لتوطيد الملك الإسلامي ، وتأييد الدولة المحمّديّة ، وحفظ الخلافة التي لا يحفظ

--> ( 1 ) - . كلامه « هكذا قالوا » ليس في ط 1 . ( 2 ) - . كما في السيرة الحلبيّة 229 : 3 ، وتاريخ الطبري 226 : 3 ، حوادث سنة 11 .