السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
406
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
فنقول - مضافا إلى ما أفدتم - : إنّ هذه الواقعة إنّما كانت حال احتضاره - بأبي وامّي - كما هو صريح الحديث ، فالوقت لم يكن وقت اختبار ، وإنّما كان وقت إعذار وإنذار ، ووصيّة بكلّ مهمّة ، ونصح تامّ للامّة ، والمحتضر بعيد عن الهزل والمفاكهة ، مشغول بنفسه ، وبمهمّاته ومهمّات ذويه ، ولاسيّما إذا كان نبيّا . وإذا كانت صحّته مدّة حياته كلّها لم تسع اختبارهم ، فكيف يسعها وقت احتضاره ؟ على أنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم - حين أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عنده - : « قوموا » « 1 » ظاهر في استيائه منهم ، ولو كان الممانعون مصيبين ، لاستحسن ممانعتهم ، وأظهر الارتياح إليها . ومن ألمّ بأطراف هذا الحديث - ولاسيّما قولهم : هجر رسول اللّه - يقطع بأنّهم كانوا عالمين أنّه إنّما يريد أمرا يكرهونه ، ولذا فاجؤوه بتلك الكلمة ، وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف ، كما لا يخفى ، وبكاء ابن عبّاس بعد ذلك لهذه الحادثة ، وعدّها رزيّة دليل على بطلان هذا الجواب . قال المعتذرون : إنّ عمر كان موفَّقا للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام من اللّه تعالى . وهذا ممّا لا يصغى إليه في مقامنا هذا ؛ لأنّه يرمي إلى أنّ الصواب في هذه الواقعة إنّما كان في جانبه ، لا في جانب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ إلهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم . وقالوا : بأنّه أراد التخفيف عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض . وأنت - نصر اللّه بك الحقّ - تعلم بأنّ في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبيّ ، وبرد فؤاده ، وقرّة عينه ، وأمنه على امّته صلى الله عليه وآله وسلم من الضلال . على أنّ الأمر المطاع ، والإرادة المقدّسة ، مع وجوده الشريف إنّما هما له ، وقد أراد - بأبي وامّي - إحضار الدواة والبياض ، وأمر به فليس لأحد أن يردّ أمره ، أو يخالف إرادته « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا
--> ( 1 ) - . راجع المراجعة 86 .