السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

404

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام من اللّه تعالى ، وقد أراد التخفيف عن النبيّ ؛ إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع ، وقد رأى رضي الله عنه أنّ ترك إحضار الدواة والبياض أولى ، وربما خشي أن يكتب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمورا يعجز عنها الناس ، فيستحقّون العقوبة بسبب ذلك ؛ لأنّها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها ، ولعلّه خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب ؛ لكونه في حال المرض ، فيصير سببا للفتنة ، فقال : حسبنا كتاب اللّه ؛ لقوله تعالى : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » « 1 » وقوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » « 2 » وكأنّه رضي الله عنه أمن من ضلال الامّة حيث أكمل اللّه لهاالدين ، وأتمّ عليها النعمة . هذا جوابهم ، وهو كما ترى ؛ لأنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا تضلّوا » يفيد أنّ الأمر أمر عزيمة وإيجاب ؛ لأنّ السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب ، واستياؤه منهم . وقوله لهم : « قوموا » حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أنّ الأمر إنّما كان للإيجاب لا للمشورة . فإن قلت : لو كان واجبا ما تركه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمجرّد مخالفتهم كما أنّه لم يترك التبليغ بسبب مخالة الكافرين . قلنا : هذا الكلام لو تمّ ، فإنّما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا لا ينافي وجوب الإتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبيّ به ، وبيّن لهم أنّ فائدته الأمن من الضلال ودوام الهداية لهم ، إذ الأصل في الأمر إنّما هو الوجوب على المأمور لا على الآمر ، ولا سيّما إذا كانت فائدته إلى المأمور خاصّة ، والوجوب عليهم هو محلّ الكلام ، لا الوجوب عليه . على أنّه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا ، ثمّ سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم وقولهم : هجر ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة ، كما أفدت .

--> ( 1 ) - . الأنعام 38 : 6 . ( 2 ) - . المائدة 3 : 5 .