السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

368

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

بقول السوفسطائيّة الذين ينكرون الحقائق المحسوسة ؛ لأنّ من الأفعال ما نعلم بحسنه ، وترتّب الثناء والثواب على فعله ، لصفة ذاتيّة له قائمة به ، كالإحسان والعدل من حيث هما إحسان وعدل ، ومنها ما نعلم بقبحه وترتّب الذمّ والعقاب على فعله ؛ لصفته الذاتيّة القائمة به ، كالإساءة والجور من حيث هما إساءة وجور ، والعاقل يعلم أنّ ضرورة العقل قاضية بذلك . وليس جزم العقلاء بهذا أقلّ من جزمهم بكون الواحد نصف الاثنين ، والبداهة الأوّليّة قاضية بالفرق بين من أحسن إليك دائما ، وبين من أساء إليك دائما ، إذ يستقلّ العقل بحسن فعل الأوّل معك ، واستحقاقه للثناء والثواب منك ، وقبح فعل الثاني واستحقاقه للذمّ والقصاص ، والمشكّك في ذلك مكابر لعقله . ولو كان الحسن والقبح فيما ذكرناه شرعيّين ، لما حكم بهما منكرو الشرائع كالزنادقة والدهريّة ، فإنّهم مع إنكارهم الأديان يحكمون بحسن العدل والإحسان ، ويرتّبون عليهما ثناءهم وثوابهم ، ولا يرتابون في قبح الظلم والعدوان ، ولا في ترتيب الذمّ والقصاص على فعلهما ، ومستندهم في هذا إنّما هو العقل لا غير . فدع عنك قول من يكابر العقل والوجدان ، وينكر ما علمه العقلاء كافّة ، ويحكم بخلاف ما تحكم به فطرته التي فطر عليها ، فإنّ اللّه سبحانه فطر عباده على إدراك بعض الحقائق بعقولهم ، كما فطرهم على الإدراك بحواسّهم ومشاعرهم ، ففطرتهم توجب أن يدركوا بعقولهم حسن العدل ونحوه ، وقبح الظلم ونحوه ، كما يدركون بأذواقهم حلاوة العسل ومرارة العلقم ، ويدركون بشامّتهم طيب المسك ونتن الجيف ، ويدركون بملامسهم لين اللين وخشونة الخشن ، ويميّزون بأبصارهم بين المنظرين : الحسن والقبيح ، وبأسماعهم بين الصوتين : صوت المزامير وصوت الحمير ، تلك « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » « 1 » . وقد أراد الأشاعرة أن يبالغوا في الإيمان بالشرع والاستسلام لحكمه ، فأنكروا

--> ( 1 ) - . الروم 30 : 30 .