السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

4

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

هذه ظروف ملمّة في مئين من السنين ، وهذه المصائب محدقة بنا من الأمام والوراء وعن الشمال وعن اليمين ، وذاك قلم يلتوي به العقم أحيانا ، وتجور به الأطماع أحيانا أخرى ، وتدور به الحزبيّة تارة ، وتسخّره العاطفة تارة أخرى ، وبين هذا وذاك ما يوجب الارتباك فما العمل ؟ وكيف الحيلة ؟ ضقت ذرعا بهذا ، وامتلأت بحمله همّا ، فهبطت مصر أواخر سنة 1329 مؤمّلا في نيله نيل الأمنية التي أنشدها ، وكنت الهمت أنّي موفّق لبعض ما أريد ، ومتّصل بالذي اداور معه الرأي ، وأتداول معه النصيحة ، فيسدّد اللّه بأيدينا من « الكنانة » « 1 » سهما نصيب به الغرض ، ونعالج هذا الداء الملحّ على شمل المسلمين بالتمزيق ، وعلى جماعتهم بالتفريق ، وقد كان - والحمد للّه - الذي أمّلت ، فإنّ مصر بلد ينبت العلم ، فينمو بها على الإخلاص والإذعان للحقيقة الثابتة بقوّة الدليل ، وتلك ميزة لمصر فوق مميّزاتها التي استقلّت بها . وهناك على نعمى الحال ، ورخاء البال ، وابتهاج النفس ، جمعني الحظّ السعيد بعلم من أعلامها المبرّزين بعقل واسع ، وخلق وادع ، وفؤاد حيّ ، وعلم عيلم ، ومنزل رفيع ، يتبوّؤه بزعامته الدينيّة ، بحقّ وأهليّة . وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقيّ ، والقول الرضيّ ، والخلق النبويّ ، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف كان على خير ونعمة ، وكان الناس منه في أمان ورحمة ، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه ، أو يبثّه ذات نفسه . كذلك كان علم مصر وإمامها ، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكرا لا انقضاء له ولا حدّ . شكوت إليه وجدي ، وشكا إليَّ مثل ذلك وجدا وضيقا ، وكانت ساعة موفّقة أوحت إلينا التفكير فيما يجمع اللّه به الكلمة ، ويلمّ به شعث الامّة ، فكان ممّا اتّفقنا عليه أنّ

--> ( 1 ) - . الكنانة : اسم لمصر ، ففي فضائلها حديث « مصر كنانة اللّه في أرضه » . للمزيد راجع كشف الخفاء ومزيل الإلباس 276 : 2 ، ح 2309 .