تقرير بحث السيد كمال الحيدري لشيخ عبد الله الأسعد

168

بحوث في علم النفس الفلسفي

والجذبة في مشهور الكشف والعرفان » « 1 » . واعلم أنّ المشهور بين المحقّقين هو الثاني من التفسيرات السابقة للحدس ، ولابدّ أن يُعلم أيضاً أنّ قوّة الحدس ليست متواطية بل مشكّكة متفاوتة بالشدّة والضعف ، لأنّ الحدس وجود والوجود له مراتب ، فأتمُّ مراتب الحدس وأكملها هو ما يسمّى بالقوّة القدسية وقد اعتنى الحكماء بإثبات مثل هذه المرتبة للإنسان وأنّه بهذه المرتبة يمكن أن يرى الموجودات كما هي عليه ، وهذا ما يعزّز التفسير الثالث من تفاسير الحدس التي تقدّمت آنفاً ، وقد استعان مثبتو هذه القوّة بالآيات الشريفة والروايات كذلك ، حيث إنّ هذه القوّة مصدر تفاضل بين المرزوقين بها أنفسهم : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ « 2 » وهي القوّة التي أيّد بها الله أنبياءه في ظروف حرجة للغاية ، إذ بمثل هذه القوّة نطق عيسى بن مريم عليه السلام ليعلن براءة أمّه عليها السلام وأنّها اصطُفيت لأمرٍ عظيم وأُعِدَّت لمهمّة جسيمة حيث كانت وعاءً لخلقٍ فريد فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً « 3 » ، وهي القوّة التي أيّدَتْ يحيى بن زكريا عليه السلام بالعلم والمعرفة لكي يكون ذا حكم ونبوّة على صباه وصغر سنّه ، لأنّ هؤلاء يُلقّون هذا الفيض الإلهي على شدّته وقوّة تألّقه دفعة واحدة ، وهم بغنىً عمّا يصرف الآخرون أعمارهم في تحصيله من مقدّمات لينالوا ما

--> ( 1 ) مسائل عيون النفس : ص 577 . ( 2 ) البقرة : 254 . ( 3 ) مريم : 30 29 .