الجاحظ
66
المحاسن والأضداد
المؤمنين إن كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي ، والأمر قريب ، والموعد الصراط ، والحاكم اللّه » ، فخر الرشيد مغشيا عليه ثم أفاق وأمر بإطلاقه . وقيل : ظفر المأمون برجل كان يطلبه فلما دخل عليه قال : يا عدو للّه أنت الذي تفسد في الأرض بغير الحق . يا غلام خذه إليك فاسقه كأس المنية » . فقال : « يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيدك بمال » ؟ قال : « لا سبيل إلى ذلك » فقال : « يا أمير المؤمنين فدعني أنشدك أبياتا » . قال : هات . فأنشده : زعموا بأنّ الباز علّق مرّة * عصفور برّ ساقه المقدور فتكلّم العصفور تحت جناحه * والباز منقضّ عليه يطير ما بي لما يغني لمثلك شبعة * ولئن أكلت فأنّني لحقير فتبسّم الباز المدلّ بنفسه * كرما وأطلق ذلك العصفور فقال له المأمون : « أحسنت . ما جرى ذلك على لسانك إلّا لبقية بقيت من عمرك » ، فأطلقه وخلع عليه ووصله . وعن بعضهم أن واليا أتى برجل جنى جناية ، فأمر بضربه ، فلما مد قال : « بحق رأس أمك إلا ما عفوت عني » . قال : أوجع . فقال : « بحق خديها ونحرها » ، قال : اضرب . قال : « بحق ثدييها » ، قال : اضرب . قال : بحق سرتها » . قال : ويلكم دعوه لا ينحدر قليلا » . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن الرجل إذا ظلم فلم ينتصر ، ولم يجد من ينصره فرفع طرفه إلى السماء ودعا ، قال اللّه له : لبيك عبدي أنصرك عاجلا وآجلا » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في قولهم : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ، وقد سئل عن ذلك فقيل : انصره مظلوما فكيف أنصره ظالما ؟ فقال : « تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه » . وقال فضيل بن عياض « 1 » : « بكى أبي فقلت : ما
--> ( 1 ) الفضيل بن عياض التميمي من كبار العلماء الصلحاء وكان ثقة بالحديث ، أخذ عنه الشافعي ، عاش في الكوفة ثم سكن مكة حيث توفي سنة 187 ه .