الجاحظ
60
المحاسن والأضداد
والسرقة وشرب الخمر والكذب فأيهن أحببت تركته » . قال : « دع الكذب » ، فمضى الرجل فهمّ بالزنا ، فقال : « يسألني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن جحدت ، نقضت ما جعلته له ، وأن أقررت حددت » ، فلم يزن . فهمّ بالسرقة وشرب الخمر ، ففكر في ذلك فرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال له : « قد تركتهن اجمع » . فأما من رخّص له في الكذب ، فيروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يصلح الكذب إلّا في ثلاث : كذب الرجل لأهله ليرضيها وكذب في إصلاح ما بين الناس وكذب في حرب » . وروي عن المغيرة بن إبراهيم أنه قال : « لم يرخص لأحد في الكذب إلّا الحجاج بن علاط ، فإنه لما فتحت خيبر قال : يا رسول اللّه : إن لي عند امرأة من قريش وديعة ، فأذن لي يا رسول اللّه أن أكذب عليك كذبة لعلي أستل وديعتي ، فرخص له في ذلك . فقدم مكة فأخبرهم أنه ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أسيرا في أيديهم يأتمرون فيه ، فقائل يقول : يقتل ، وقائل يقول : لا بل يبعث به إلى قومه فتكون منة ، فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويؤيسون العباس عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والعباس يريهم التجمل ، وأخذ الرجل وديعته فاستقبله العباس وقال : « ويحك ما الذي أخبرت به » ؟ فأعلمه السبب ، ثم أخبره أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد فتح خيبر ، ونكح صفية بنت حيي بن أخطب ، وقتل زوجها وأباها ، ثم قال : « اكتم عليّ اليوم وغدا حتى أمضي » ، ففعل ذلك ، فلما مضى يومان أخبرهم العباس بالذي اخبره ، فقالوا : « من أخبرك بهذا » ؟ قال : « من أخبركم بضده » . وضده ، قيل : وجد في بعض كتب الهند : « ليس لكذوب مروءة ، ولا لضجور رئاسة ، ولا لملول وفاء ، ولا لبخيل صديق » . وقال قتيبة بن مسلم « 1 » : « لا تطلبن الحوائج من كذوب ، فإنه يقربها وإن كانت بعيدة ، ويبعدها إن كانت قريبة ؛ ولا إلى رجل قد جعل المسألة مأكلة ، فإنه يقدم حاجته قبلها ، ويجعل حاجتك وقاية لها ؛ ولا إلى أحمق فإنه يريد نفعك
--> ( 1 ) قتيبة بن مسلم الباهلي ( 49 - 96 ه ) . من قواد الأمويين الكبار . فتح خوارزم وسجستان وسمرقند وغزا أطراف الصين . وكان إلى ذلك راوية للشعر .