الجاحظ

55

المحاسن والأضداد

لحكماء : « إن الكفر يقطع مادة الأنعام ، فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر » . وقال علي بن عبيدة : « من المكارم الظاهرة ، وسنن النفس الشريفة ، ترك طلب الشكر على الإحسان ، ورفع الهمة عن طلب المكافأة ، واستكثار القليل من الشكر ، واستقلال الكثير مما يبذل من نفسه . . . وفصل من كتاب ولست أقابل أياديك ، ولا أستديم إحسانك إلّا بالشكر الذي جعله اللّه للنعم حارسا ، وللحق مؤديا ، وللمزيد سببا » . وضده ، قال بعض الحكماء : « المعروف إلى الكرام يعقب خيرا ، وإلى اللئام يعقب شرا ، ومثل ذلك مثل المطر ، يشرب منه الصدف فيعقب لؤلؤا ، وتشرب منه الأفاعي فيعقب سما » . وقال سفيان « 1 » : « وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام » . وقال : « أثار جماعة من الأعراب ضبعا ، فدخلت خباء شيخ منهم ، فقالوا : « اخرجها » ، فقال : « ما كنت لأفعل ، وقد استجارت بي » فانصرفوا وقد كانت هزيلا ، فأحضر لها لقاحا ، وجعل يسقيها حتى عاشت ، فنام الشيخ ذات يوم فوثبت عليه فقتلته . فقال شاعرهم في ذلك : ومن يصنع المعروف في غير أهله * يلاقي الذي لاقى مجير أمّ عامر أقام لها لمّا أناخت ببابه * لتسمن ألبان اللّقاح الدّرائر فأسمنها حتى إذا ما تمكّنت * فرته بأنياب لها وأظافر فقل لذوي المعروف هذا جزاء من * يجود بإحسان إلى غير شاكر قيل : وأصاب أعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرب له شاة فلم يزل يمتص من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها . فقال الأعرابي يذكر ذلك : غذتك شويهتي ونشأت عندي * فمن ادراك أن أباك ذيب

--> ( 1 ) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ( 97 - 161 ه ) إمام الحديث وعلوم الدين في عصره . ولد ونشأ في الكوفة . له الجامع الكبير ، والجامع الصغير ، والفرائض .