الجاحظ
333
المحاسن والأضداد
كلامها » ؟ فقلت : « يا سيّدي ، إن غاضبتها اليوم ، فصالحها غدا » ، فدخلت عليه من الغد ، فقال : ويحك ، يا عليّ ، رأيت البارحة في النوم كأني صالحت محبوبة ، فقالت جاريته : شاطر يا سيدي ، لقد سمعت الآن في مقصورتها هينمة ، فقال : ننظر ما هي ، فقام حافيا حتى وصلنا مقصورتها ، فإذا هي تغني : أدور في القصر كي أرى أحدا * أشكو إليه فلا يكلّمني فمن شفيع لنا إلى ملك * قد زارني في الكرى يعاتبني حتى إذا ما الصباح عاد لنا ، * عاد إلى هجره ففارقني فصفّق المتوكل طربا ، فلما سمعته ، خرجت تقبّل رجليه ، وتمرغ خدها في التراب ، حتى أخذ بيدها ، راضيا عنها . حدّث أبو علي بن الأسكري المصري ، « وأسكر هي القرية التي ولد فيها موسى عليه السلام » ، قال : كنت من جلاس تميم بن تميم ، وممن يخف عليه ، فأتى من بغداد بجارية رائعة فائقة الغناء ، فدعا بجلسائه ، وقدمت الستارة ، فغنّت : وبدا له ، من بعد ما اندمل الهوى * برق تألّق موهنا لمعانه يبدو كحاشية الرّداء ، ودونه * صعب الزّرى ، متمنّع أركانه وبدا لينظر كيف لاح ، ولم يطق * نظرا إليه ، وهدّه هيجانه فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه * والماء ما سحّت به أجفانه قال : فأحسنت ما شاءت ، فطرب تميم ومن حضر ، ثم غنّت : سيسليك مما دون دولة مفضل * أوائله محمودة وأواخره ثنى اللّه عطفيه ، وألّف شخصه * على البرّ مذ شدّت عليه مآزره فطرب تميم ومن حضر ، ثم غنّت : استودع اللّه في بغداد لي قمرا * بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه