الجاحظ
328
المحاسن والأضداد
قال : وافتصد عبد اللّه بن طاهر ، فأهدي له « أبو دلف » جميع ما أصاب في السوق من الورد ، وكتب إليه : تضاحك الورد في وجهي ، فقلت له : * لم ذا ؟ فقال : أبو العبّاس مفتصد ؟ فقمت أطلب ما أهديه من طرف * للفصد في السّوق ، حيت خانني الجلد يوم الفصاد له أزر مطيّبة * محجوبة لا يراها الجرد والزّرد فاشرب على الورد مسرورا بطلعته * يا ابن الكرام ، فأنت السيّد النّجد قال عمرو بن بانة : اعتلّ المعتصم ، فأشار عليه بختيشوع بالفصد ، وأنا عنده ، فأخرجت إليه هدايا الفصد ، وكان فيما أخرج ، طبق صندل مكتوب عليه بجزع ، كما يدور عليه شمامات مسك وعنبر ، فأمر بقراءة ما عليه ، فإذا هو : فصد الإمام لعلّة في جسمه * فشفى الإله السقم بالفصد وجرى إلى الطّشت السّقام مبادرا * وجرى الشّفاء إليه بالسّعد يا مالكا ملك العباد بجوده * اسلم ، سلمت ، بعيشة رغد ! فقال : يا عمرو ! من يلومني على حب هذه الجارية ، واللّه ما أراها إلّا تزايدت في عيني ، وخليق أن تنجب ، فإن لها همة » . فولدت غلاما ، وكانت آثر جواريه عنده ، وأحظاهن لديه . وأخبرنا إبراهيم القارئ قال : كنت عند المأمون ، فاحتاج إلى الفصد ، فقال الأطباء : « البلد بارد » ، فقال : « لا بد لي منه » ؛ ففصدوه ، فلما كان وقت الظهر ، حضروا ، فراموا فجر العرق ؛ فإذا هو قد التحم ، فشدّوا الرباط ، وفيهم ( متحا ) يدق ، فما ظهر الدم ، فقال لهم المأمون : « عقرتموني » ، فحلوا الرباط ، وعلى رأسه بختيشوع وابن ماساويه ، فقال : ما تقولون » ؟ قالوا : « ما ندري ما نقول » ؟ قال : فأشاروا هناك أن جلالة الخليفة ، ربما أدهشت الحاذق بالصناعة ، والمتقدم في الرئاسة ؛ فاعتزلوا ناحية ، وأبطئوا عليه ، فقال لأسود كان على رأسه : « أدن ، فمص الجرح » ففعل ، فثار الدم فقال : « أدع