الجاحظ
296
المحاسن والأضداد
لهواه لإتلاف * وملاه لاختلاف ليس يقرا من كتاب * اللّه إلّا لإيلاف وقال آخر : إنّ الرقاشي من تكرّمه * بلغه اللّه منتهى هممه يبلغ من برّه ورأفته * حملان أضيافه على حرمه ومن محاسن ذلك ، حدثنا علي بن الحسين بن علي بن عثمان بن علي بن الحسن ، قال : كانت « ضمير » جارية مولدة لميمونة بنت الحسن بن علي بن زيد ؛ فأدّبتها ، وعلمتها الغناء فبرعت فيه ؛ وكانت من أحسن الناس وجها وبدنا ، وأبرعهم غناء وضربا ، فأعطيت بها مولاتها عشرة آلاف دينار ؛ فلما أرادت أن تبيعها ، وأحضر المال ، بكت وقالت : « يا سيدتي ، ربيتني واتخذتني ولدا ، ثم تريدين بيعي ، فأتغرب عنك ولا أرى وجهك » ، قالت : « أشهد اللّه ومن حضر أنك حرّة لوجه اللّه » ! فلما ماتت ميمونة ، خطبها آل أبي طالب وغيرهم ، فغلب عليها جعفر بن حسن بن حسين ، فتزوجها وأحبها حبا شديدا ، فقدم بها البصرة ، فقال علي بن الحسين ، وكان يجالسها ويسمع غناءها ؛ فأردت الخروج إلى الرضى بخراسان ، فودّعت جعفرا وخرجت ، فأقمت بالأهواز أياما اتهيأ للخروج على طريق فارس ، فورد عليّ كتاب جعفر أنه قد وقع بينه وبين « ضمير » شرّ ، وأنها قد أغلظت له حتى تناولها ضربا ، وأنها على مفارقته ، وسألني القدوم لأصلح بينهما ، فقال علي بن الحسين : وكانت لي حاجة بالرضى ، وكنت أرجو لذلك في وجهي منه ومن المأمون الغنى ؛ فلما قرأت كتابه ، لم أعط صبرا حتى انصرفت راجعا إلى البصرة ، فجئت إلى جعفر ، فأوقعت به شتما وعذلا ، ثم أرسلت إليها : أقسمت عليك بحقي ألا رجعت ؛ فخرجت مرهاء ، شعثة ، وسخة الثياب ، حتى جلست بينهما ، فأقبل جعفر يعطيني من نفسها لها كل ما أريد وهي ساكتة ، ثم قلت : « يا جارية ، هاتي العود » ؛ فأخذته ، فأصلحت منه حتى تغنّت وهي تبكي ، ودموعها تكف :