الجاحظ

292

المحاسن والأضداد

قال : آخر ما لقيتها بالطلحة ، مع أتراب لها . قال : فأتاهم جميل ، وهو ينشد ذودا له ، ففطنت عزة ، فقالت : تحت الطلحة التمس ذودا هناك . فانصرف جميل ، فأخبر كثيرا ؛ فلما كان في بعض الليل ، أتيا الطلحة ، وأقبلت عزة وصاحبة لها ، فتحدثا مليا ، وجعل كثير يرى عزة تنظر إلى جميل ، وكان جميلا ، وكثير دميما ، فغضب كثير ، وغار عليها ، وقال لجميل : انطلق بنا قبل أن يصبح علينا الصبح فانطلق ، فعند ذلك يقول : رأيت ابنة الشّبليّ عزّة أصبحت كمحتطب ما يلق بالليل يحطب « 1 » وكانت تمنّينا ، وتزعم أنّنا * كبيض الأنوق في الصّفا المتغيّب ثم قال كثير لجميل : متى عهدك ببثينة ؟ قال : في أول الصف بوادي الدم ، ومعها جواريها يغسلن ثيابا . فخرج كثيّر حتى أناخ بهم ، وهو يقول : وقلت لها يا عزّ أرسل صاحبي * على بعد دار ، والرسول موكّل بأن تجعلي بيني وبينك موعدا * وإن تأمريني بالذي فيه أفعل أما تذكرين العهد يوم لقيتكم * بأسفل وادي الدم ، والثّوب يغسل فعلمت بثينة ما أراد ، فصاحت : اخسأ ، اخسأ ، فقال عمّها : ما دهاك ، يا بثينة ؟ قالت : إن كلبا يأتينا من وراء هذا التلّ ، فيأكل ما يجد ، ثم يرجع . فرجع كثيّر ، وقال لجميل : قد وعدتك التلّ ، فدونك . فخرج جميل وكثيّر حتى انتهيا إلى الدومات ، وقد جاءت بثينة ، فلم تزل معه حتى برق الصبح ، وكان كثيّر يقول : « ما رأيت مجلسا قط أحسن منه » . قال عمر بن شبة عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي : حدثني شيخ من خزاعة ، قال : ذكرنا ذا الرمة ، وعندنا عصمة بن مالك الفزاري ، وهو يومئذ

--> ( 1 ) حطب بالليل : تكلم بالغت والسمين كالحاطب بالليل الذي يجمع كل ردي وجيد من الحطب أي الشجر .