الجاحظ
283
المحاسن والأضداد
زان المجلس ، وفاق من فيه حسنا وجمالا ، قد رفعه الأمير فوقه ، فسألت عنه ، فقيل : « ضمرة بن المغيرة » ، فقلت في نفسي : « بالحقيقة حل بالمسكينة ما حل ، هو ، واللّه ، قاتلها فيما أرى » . ثم قمت فقصدت المربد ، ووقفت على باب داره ، فإذا هو قد ورد في موكب جليل ، فوثبت إليه ، وبالغت في الدعاء والثناء ؛ ثم دنوت منه ، وفاوضته في الذي بيني وبينها ، وناولته الرقعة ، فلما قرأها ضحك ، ثم قال : « يا شيخ قد استبدلنا بها ، فهل لك في أن تنظر إلى البديل » ؟ قلت : « نعم » . فصاح في الدار : « يا جواري ، أخرجن إلينا لذيذا » . فما كان إلّا أن طلعت جارية وضيئة الكمين ، ناهدة الثديين ، تمشي مشية مستوحل ، ترتج من دقة خصرها على كبر عجزها ذات فخذين وعجيزتين تختطفان الأنفس اختطافا ، على رأسها بطيخة من الكافور ، مكتوب على جبينها : آه « 1 » من الحبّ آه * ما أقتل الحبّ وأضناه ودون ذلك مكتوب : عيّارة قياسة في الخطى * رخيمة الدّلّ ، صيود للرجال وقد كتبت بالغالية على عصابتها ثلاث أسطر ، وهي : إذا غضبت رأيت الناس قتلى * وإن رضيت فأرواح تعود لها في عينها لحظات سحر ، * تميت بها ، وتحيي من تريد وتسبي العالمين بمقلتيها * فكلّ العالمين لها عبيد ! ! فناولها الرقعة ، وقال : « اقرئي وأجيبي صاحبتك » . فلما قرأت الرقعة ، اصفرّت ، وعرّقت ، ومزّقتها ، وضربت بها في وجه الغلام ، وغابت في الستر . فقال لي : « أما أنت ، يا شيخ ، فاستغفر اللّه مما مشيت فيه » . قلت : « بل أنت استغفر اللّه من هجرانك إياها ، وتركك إتيانها . واللّه ما أرى لها في البشر نظيرا » . قال : « لا أفعل ، ولو أنها في حسن يوسف وكمال حواء » .
--> ( 1 ) آه : اتوجع ، من أهه أي أسف وحزن وتوجع .