الجاحظ

28

المحاسن والأضداد

للدراهم مني » . قال : ودخل المأمون ، ذات يوم الديوان ، فنظر إلى غلام جميل ، على أذنه قلم ، فقال : « من أنت ؟ » قال : « أنا الناشئ في دولتك ، المتقلب في نعمتك ، المؤمل لخدمتك ، الحسن ابن رجاء » ، فقال المأمون : « بالاحسان في البديهة تتفاضل العقول ، يرفع عن مرتبة الديوان إلى مراتب الخاصة ، ويعطى مائة ألف درهم تقوية له » . قال : ووصف يحيى بن خالد « 1 » الفضل بن سهل ، وهو غلام على المجوسية للرشيد ، وذكر أدبه ، وحسن معرفته ، فعمل على ضمه إلى المأمون ، فقال ليحيى يوما : « ادخل إلى هذا الغلام المجوسي ، حتى انظر إليه فأوصله » فلما مثل بين يديه وو وقف ، تحير ، فأراد الكلام فارتج عليه ، فأدركته كبوة ، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكرة لما كان تقدم من تقريظه إياه ، فانبعث الفضل بن سهل فقال : يا أمير المؤمنين إن من أبين الدلائل على فراهة « 2 » الملوك شدة إفراط هيبته لسيده » ، فقال له الرشيد : « أحسنت واللّه لئن كان سكوتك لتقول هذا أنه لحسن ، ولئن كان شيئا أدركك عند انقطاعك ، أنه لأحسن وأحسن » ثم جعل لا يسأله عن شيء إلّا رآه فيه مقدما ، فضمه إلى المأمون . قال : وقال الفضل بن سهل للمأمون ، وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين « 3 » سمرقند كان وعده تعجيل انفاذها فتأخر ذلك : « هب لوعدك مذكرا من نفسك وهنيء سائلك حلاوة نعمتك ، واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حثا على اصطفاء شكر الطالبين ، تشهد لك القلوب بحقائق الكرم ، والألسن بنهاية الجود » ، فقال : « قد جعلت إليك إجابة سؤالي عني بما ترى فيهم ، وآخذك في القصير فيما يلزم لهم من غير استثمار أو معاودة

--> ( 1 ) يحيى بن خالد البرمكي مربي هارون الرشيد ثم وزيره إلى أن نكب البرامكة فغضب عليه وحسبه حتى مات سنة 190 ه . ( 2 ) فراهة : حذاقة . ( 3 ) دهاقين : جمع دهقان أي تاجر وهي لفظ فارسية معربة .