الجاحظ

271

المحاسن والأضداد

محاسن القيادة قال الحسن الجرجاني : حدثني سهم بن عبد الحميد الحنفي قال : خرجت من الكوفة أريد بغداد ، فلما نزلت ، بسط غلماننا وهيئوا غداءنا ، فإذا نحن برجل حسن الوجه والهيئة ، على برذون فاره ، فصحت بالغلمان فأخذوا دابته ، فدعوت بالغداء ، فبسط يده غير محتشم ، وما أكرمته بشئ إلّا قبله ، وكنا كذلك إذ جاء غلمانه بثقل كثير ، وهيئة جميلة ، فتناسبنا فإذا هو طريح بن إسماعيل الثقفي ، فارتحلنا في قافلة منا لا يدرك طرفاها ، فقال طريح : « ما حاجتنا إلى هذا الزحام ، وليست بنا إليهم وحشة ، ولا علينا خوف ، فإذا خلونا بالخانات والطرق كان أروح لأبداننا » ، قلت : « ذلك إليك » ، فنزلنا من الغد الخان ، وتغدينا وإلى جانبنا نهر ظليل بالشجر ، فقال : « هل لك أن تستنقع فيه » ؟ فمررنا إليه ، فلما نزع ثيابه إذا بين جنبيه آثار ضرب كثير ، فوقع في نفسي منه شر ، فنظر إليّ ففطن وتبسم ، وقال : « قد رأينا ذعرك بما ترى ، وحديث ذلك يجري إذا سرنا بالعشية » فلما سرنا قلت له : « الحديث » قال : « نعم ، قدمت من عند الوليد بن يزيد بالغناء واليسار ، وكتب إلى يوسف بن عمر ، فلما أتيته ملأ يدي خيرا ، فخرجت مبادرا إلى الطائف ، فلما امتد بي الطريق وليس يصحبني فيه أحد ، عنّ لي اعرابي على قعود له ، فحدث أحسن الحديث ، وروى الشعر ، فإذا هو راوية ، فأنشد فإذا هو شاعر ، فقلت : « من أين أقبلت » ؟ قال : « لا أدري » ، قلت : « وما القصة » ؟ قال : « أنا عاشق لامرأة قد أفسدت عليّ عيشي ، وقد حذرني أهلها ، وجفاني لها أهلي ، وإنما استريح بأن أنحدر إلى الطريق مع منحدر ، وأصعد مع مصعد » ، قلت : « فأين هي » ؟ قال : « تنزل غدا بإزائها » ،