الجاحظ

269

المحاسن والأضداد

للخيزران « 1 » : « استزيريها » ، فزارتها ، وجاءت إليها ، فقالت لها : « هل لك في الحمام » ؟ قالت : « نعم » ، فلما دخلت الحمام ، وافاها المهدي ، فبرزت له ، ولم تستتر عنه ، فقال لها المهدي : « أنا وليك فزوجيني نفسك » ، فقالت « أنا أمتك » ، فتزوجها ونال منها ، فلما انصرفت أخبرت اخوتها بما كان ، فقالوا : « أمسكي عنه » ، فلما كان بعد مدة ، قالوا لها : « استزيري الخيزران » ، فاستزارتها ، فلما صارت إليها قالت : « هل لك في الحمام » ؟ قالت : « نعم » ، فلما دخلتا معا ما شعرت الخيزران إلّا ببني أبي عبيد اللّه قد عمدوا عليها فاستترت عنهم ، فقالوا : « لو أردنا أن نفعل كما فعلتم بحرمتنا لفعلنا ، ولكنا لا نستحل » ، فقالت لهم : « واللّه لو رمتم ذلك لأمرت الخدم بقتلكم » ، فانصرفوا ، فلما رجعت الخيزران ، أخبرت المهدي بذلك ، فكان السبب في قتل المهدي محمد بن أبي عبيد على الزندقة . وبلغه أيضا عن عونة بنت أبي عون ، جمال وهيئة ، فقال للخيزران : « استزيريها » فاستزارتها ، فقالت لها الخيزران : « هل لك في الحمام » ؟ قالت : « نعم » ، فلما دخلتا ما شعرت إلّا بالمهدي قد وافاها ، فاستترت بالخيزران وقالت : واللّه لئن دنوت مني لأضربن بالكرنيب وجهك » ، فقال : « ويلك إنما أردت أن أتزوجك » ، قالت : « لا سبيل إلى ذلك » ، فانصرف عنها ، فأخبرت أباها ، فقال : « لا حسنت في فعلك » .

--> ( 1 ) الخيزران : جارية بريرية تزوجها الخليفة العباسي المهدي وشاركت زوجها في شؤون الحكم . ولما مات المهدي وخلفه ابنه الهادي حاول اكراه أخيه هارون على التنازل عن ولاية العرش فلم يفلح وقتل على الأرجح بتحريض من الخيزران سنة 181 ه .