الجاحظ
263
المحاسن والأضداد
قال عمر رضي اللّه عنه : « أنت مقتول » ، فلما قال : ولقد تحدّر من كريمة معشر * عرق على متن الفراش وطيب وجدوه شاربا ثملا ، فعرضوا عليه نسوة حتى مرت به التي يطلبونها ، فأهوى إليها ، فقتلوه . حكي عن سليمان بن عبد الملك أنه كان في بعض أسفاره ، فسمر معه قوم ، فلما تفرقوا عنه ، دعا بوضوء ، فجاءت به جارية ، فبينا هي تصب الماء على يده ، إذ استمدها ، وأشار إليها مرتين أو ثلاثا فلم تصب عليه ، فأنكر ذلك ، ورفع رأسه ، فإذا هي مصغية بسمعها ، مائلة بجسدها إلى صوت غناء من ناحية العسكر ، فأمرها فتنحت ، فسمع الصوت فإذا رجل يغني ، فانصت له حتى فهم ما غنى ، فدعا بجارية غيرها فتوضأ ، فلما أصبح ، أذن الناس ، فأجرى ذكر الغناء ، فلم يزل يخوض فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه ؛ فأفاضوا فيه وذكروا ما جاء في الغناء ، والتسهيل لمن سمعه ، وذكروا من كان يسمعه من سروات الناس ، فقال : « هل بقي أحد يسمع منه » ؟ فقال رجل من القوم : « عندي رجلان من أهل الأبلة محكمان » ، قال : « فأين منزلك من العسكر » ؟ فأومأ إلى ناحية الغناء ، فقال سليمان : « أبعث إليهما » ، ففعل ، فوجد الرسول أحدهما وأقبل به ، وكان اسمه سمير ، فسأله عن الغناء ، وكيف هو فيه ، قال : « محكم » ، قال : « متى عهدك به » ؟ قال : « البارحة » ، قال : « وفي أي النواحي كنت » ؟ فذكر الناحية التي سمع منها الصوت قال : « وما اسم صاحبك » ؟ قال : « سنان » . قال : فأقبل سليمان على القوم فقال : « هدر الفحل فضبعت الناقة ، ونب التيس فشكرت الشاة ، وهدل الحمام فزافت الحمامة ، وغنى الرجل فطربت المرأة » ، ثم أمر به فخصي ، وسأل عن الغناء أين أصله ؟ قالوا : « بالمدينة وهم المخنثون » ، فكتب إلى عامله أن أخص من قبلك من المخنثين . وحدث الأصمعي ان الشعر الذي سمعه سليمان يتغنى به هو :