الجاحظ

215

المحاسن والأضداد

عبدك جعفر » ، ثم حملها بالليل فوطئها ، ثم ردها إلى منزل أبيها قال : « وكان الهادي يشاور من أصحابه عبد العزيز بن موسى ، وعيسى بن دأب ، والعزيزي ، وعبد اللّه بن مالك ، فخرج ذات يوم إليهم وهو مغضب ، كأنه جمل هائج ، منتفخ الأوداج ، منتقع اللون ، فأقبل حتى جلس في مجلسه ، وكان العزيزي أجرأهم عليه ، فقال : « يا أمير المؤمنين ، إنا نرى بوجهك ما كدّر علينا عيشنا ، وبغضّ الدنيا إلينا ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخبرنا بالسبب ، فإن كان عندنا حيلة أعلمناه بها ، وإن تكن مشورة أشرنا بها ، وإن أمكن احتمال الغم عنه وقيناه بأنفسنا ، وحملنا الغم عنه » . قال : فأطرق طويلا ، والعزيزي قائم ، فقال له : « أجلس يا عزيزي ، فإني لم أر كصاحب الدنيا قط أكثر آفات ، وأعظم نائبة ، ولا أنغص عيشا » ، قال العزيزي : « وما ذاك يا أمير المؤمنين » ؟ قال : « لبابة بنت جعفر بن أبي جعفر قد علمتم موقعها مني ، واثرتها عندي ، كلمتني بإدلال فأغلظت ، فلم يكن لها عندي احتمال ، ولا عندها إقصار ، حتى وثبت عليها وضربتها ضربا موجعا » . قال : وسكت ، فقال ابن دأب : يا أمير المؤمنين ، إنك واللّه لم تأت منكرا ، ولا بديعا ، قد كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يؤدبون نساءهم ، ويضربونهن . هذا الزبير بن العوام ، حواري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وابن عمته ، وثب على امرأته أسماء بنت أبي بكر ، وهي أفضل نساء أهل زمانها ، فضربها في شيء عتب عليها فيه ضربا مبرحا ، حتى كسر يدها ، وكان ذلك سبب فراقها ، وذلك أنها استغاثت بولدها عبد اللّه ، فجاء يخلصها من أبيه فقال : « هي طالق إن حلت بيني وبينها » ، ففعل وبانت منه ، وهذا كعب بن مالك الأنصاري ، عتب على امرأته ، وكانت من المهاجرات ، فضربها حتى حال بنوها بينه وبينها ، فقال : فلولا بنوها حولها لخبطتها * كخبطة فرّوج ولم أتلعثم