الجاحظ

20

المحاسن والأضداد

سلطان النسيان سلطان الذكر ، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار ، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع ، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها ، وخلدت من عجيب حكمتها ، ودونت من أنواع سيرها ، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا ، فتحنا بها كل مستغلق ، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم ، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلّا بهم ، لقد بخس حظنا منه ، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر ، والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل ، وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء ، يكتبون كتب الظرفاء والصلحاء ، وكتب الملاهي ، وكتب أعوان الصلحاء وكتب أصحاب المراء والخصومات ، وكتب السخفاء وحمية الجاهلية ، ومنهم من يفرط في العلم أيام خموله وترك ذكره وحداثة سنه ، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ، ونازعت إلى حب الكتب ، وألفت من حال الجهل وأن يكونوا في غمار الوحش ، ولدخل عليهم من الضرر والمشقة وسوء الحال ما عسى أن يكون لا يمكن الأخبار عن مقداره إلّا بالكلام الكثير « 1 » . وسمعت محمد بن الجهم يقول : « إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتابا فأجد اهتزازي للفوائد الأريحية التي تعتريني من سرور الاستنباه وعز التبيّن ، أشد ايقاظا من نهيق الحمار ، وهدة الهدم ، فإني إذا استحسنت كتابا واستجدته ورجوت فائدته ، لم أوثر عليه عوضا ، ولم ابغ به بدلا ، فلا أزال انظر فيه ساعة بعد ساعة ، كم بقي من ورقة مخافة استنفاده ، وانقطاع المادة من قبله » « 2 » . وقال ابن داحة : « كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس فنزل مقبرة من المقابر وكان لا يزال في يده كتاب يقرؤه ، فسئل عن ذلك فقال : « لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ، ولا اسلم من الوحدة » « 3 » .

--> ( 1 ) قارن بما ورد في كتاب الحيوان ، الجزء الأول ص 25 . ( 2 ) النص موجود في كتاب الحيوان ، ج 1 ، ص 49 . ( 3 ) النص موجود في كتاب الحيوان ، ص 44 مع بعض التغير .