الجاحظ
191
المحاسن والأضداد
إذا نحن بامرأة على راحلة تسير ، فسرت حذاءها ، فقالت : « أتروي لكثيّر شيئا » ، قلت : « نعم » . قالت : « أنشدني » ، فأنشدتها من شعره ، فقالت : « أين هو » ؟ قلت : « هو ذاك الذي ترين على غير الطريق » ، فقالت بعد أن دنت منه : « قاتل اللّه زوج عزة حيث يقول : لعمرك ما ربّ الرّباب كثيّر * بفحل ولا آباؤه بفحول فغضب كثيّر وسار وتركها ، ثم نزل منزلا ، فجاءت جارية لها تدعوه ، فأبى كثيّر أن يأتيها فقلت : « ما رأيت مثلك قط ! امرأة مثل هذه ترسل إليك ، فتأبى عليها » ؟ فلم أزل به حتى أتاها ، قال : فسفرت عن وجهها ، فإذا هي أجمل الناس وأكملهم ظرفا وعقلا ، وإذا هي غاضرة أم ولد بشر بن مروان ، فصحبناها حتى كنا بزبالة فمالت بنا الطريق ، فقالت له : « هل لك أن تأتي الكوفة فأضمن لك على بشر الصلة والجائزة » ؟ فأبى وأمرت له بخسمة آلاف درهم ، ولي بألفين ، فلما أخذنا الخمسة الآلاف قال : « ما أصنع بعكرمة ، وقد أصبت ما ترى » ؟ فذلك قوله حيث يقول : شجا أظعان غاضرة الغوادي * بغير مشورة عوضا فؤادي أغاضر لو رأيت غداة بنتم * حنوّ العائدات على وسادي رثيت لعاشق لم تشكميه * جوانحه تلذّع بالزّناد ( الشكيمة : العطية ، والزناد : جمع زند وهو عود يقدح منه النار ) . قالا لحكم بن صخر الثقفي : حججت فرأيت بأقرّة امرأتين لم أر كجمالهما وظرفهما وثيابهما ، فلما حججت وصرنا بأقرّة ، إذا أنا بإحدى الجاريتين قد جاءت ، فسألت سؤال منكر ، فقلت : « فلانة » ؟ قالت : « فداك أبي وأمي رأيتك عاما أول شابا سوقة ، والعام شيخا ملكا ، وفي وقت دون ذلك ما تنكر المرأة صاحبها » . فقلت : « ما فعلت أختك » ؟ فتنفست الصعداء وقالت : قدم علينا ابن عم لنا فتزوجها ، فخرج بها إلى نجد فذاك حيث أقول :