الجاحظ
167
المحاسن والأضداد
محاسن الزهد قال محمد بن الحسن عن أبي همام ، وكان قد عرف ضيغما : كنت معه في طريق مكة ، فلما بعدنا في الرمل ، نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر ، فبكى ضيغم ، فقلت : « لو دعوت اللّه أن يمطر علينا ، كان أخف على هذه الإبل » ، قال : فنظر إلى السماء وقال : « إن شاء اللّه فعل » ، قال : « فو اللّه ما كان إلّا أن تكلم ، حتى نشأت سحابة ، فهطلت » . وعن عطاء بن يسار أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقا ، فعرض له سائل فأعطاه بعضه ، ثم عرض له سائل آخر فأعطاه الباقي ، فأتى النجارين ، فملأ مزوده من نشارة الخشب ، وأتى منزله فألقاه ، وخرج هاربا من أهله ، فاتخذت المرأة المزود فإذا دقيق حواري ، لم تر مثله فعجنته وخبزته ، فلما جاء قال : « أين لك هذا » ؟ قالت : « الدقيق الذي جئت به » . وعن أبي عبد اللّه القرشي ، عن صديق له قال : دخلت بئر زمزم فإذا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن ، فلما شرب أرسل الدلو ، فأخذته ، فشربت فضلته ، فإذا هو سويق لم أر أطيب منه ؛ فلما كانت القابلة في ذلك الوقت جاء الرجل ، وقد أسبل ثوبه على وجهه ، ونزع الدلو فشرب ثم أرسله فأخذته فشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل ، لم أر شيئا قط أطيب منه ، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فأنظر من هو ففاتني ، فلما كان في الليلة الثالثة قعدت قبالة زمزم في ذلك الوقت ، فجاء الرجل ، وقد أسبل ثوبه على وجهه ، فنزع الدلو ، فشرب ، وأرسله ، وأخذته ، وشربت فضلته ، فإذا هو