الجاحظ

159

المحاسن والأضداد

محاسن المواعظ قال الأصمعي « 1 » : حججت ، فنزلت ضريّة ، فإذا أعرابي قد كوّر عمامته على رأسه ، وقد تنكّب قوسا ؛ فصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « أيها الناس ! إنما الدنيا دار ممرّ ، والآخرة دار مقرّ . فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم . أما بعد ، فإنه لن يستقبل أحد يوما من عمره إلّا بفراق آخر من أجله ؛ فاستعجلوا لأنفسكم لما تقدمون عليه ، لا لما تطعنون عنه ؛ وراقبوا من ترجعون إليه ، فإنه لا قويّ أقوى من خالق ولا ضعيف أضعف من مخلوق ، ولا مهرب من اللّه إلّا إليه ؛ وكيف يهرب من يتقلّب بيني يدي طالبه « وإنما توفّون أجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ، فقد فاز ، وما الحياة الدنيا إلّا متاع الغرور » . وقال بعض الأعراب : « إن الموت ليقتحم على بني آدم كاقتحام الشيب على الشباب ؛ ومن عرف الدنيا لم يفرح بها فهو خائف ، ولم يحزن فيها على بلوى ؛ ولا طالب أغشم من الموت ، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه ، ومن وكل به الموت أفناه » . وقال أعرابي : « كيف يفرح بممر تنقصه الساعات ، وبسلامة بدن معرّض للآفات ؟ لقد عجبت من المرء يفرّ من الموت ، وهو سبيله ، ولا أرى أحد إلّا استدركه الموت » . وقيل : وجد في كتاب من كتب بزرجمهر صحيفة مكتوب فيها : « إن حاجة اللّه إلى عباده أن يعرفوه ؛ فمن عرفه لم يعصه طرفة عين . كيف البقاء مع الفناء ، وكيف يأسى

--> ( 1 ) الأصمعي هو عبد الملك بن قريب الباهلي ( 123 - 216 ه ) ولد ومات في البصرة . عالم بالأخبار والنوادر ورواية الشعر . من كتبه : كتاب الخيل ، نوادر العرب .