الجاحظ
115
المحاسن والأضداد
فتحرك الآخر فصار قدامه فلا نزال كذلك طول الليل فتصبح وقد صارت من الموضع الذي باتت فيه على ثلاثة أميال أو أكثر جبنا . وقيل : هو أجبن من صافر وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يثفر ليلته كلها خوفا من أن ينام فيؤخذ . وقيل أيضا : هو أجبن من المنزوف ضرطا . وكان من حديثه أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى فإذا انتبه ضربنه وقلن له قم فاصطبح ويقول : لو لعادية نبتهتنّي - أي خيل عادية عليكن مغيرة فأدخلها عنكن - فلما رأين ذلك فرحن وقلن : إن صاحبنا لشجاع ثم أقبلن عليه وقلن : تعالين نجربه فأتينه كما كن يأتينه فأيقظنه فقال : لو لعادية نبهتنّني فقلن له : نواصي الخيل معك ، فجعل يقول : الخيل الخيل ويضرط حتى مات فضرب به المثل . وقيل لجبان : انهزمت فغضب الأمير عليك ، قال : ليغضب الأمير وأنا حي أحب إليّ من أن يرضى وأنا ميت . وقيل لبعض المجان : ما لك لا تغزو ؟ قال : واللّه إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمر إليه ركضا ؟ قال : وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب : يا حميد هل قاتلت قط ؟ قال : لا أيها الأمير إلّا في النوم . قال : وكيف كانت وقعتك ؟ قال : انتبهت وأنا منهزم . ومما قيل في ذلك من الشعر : ظلت تشجعني هند بتضليل * وللشجاعة خطب غير مجهول هاتي شجاعا لغير القتل مصرعه * أوجدك ألف جبان غير مقتول الحرب توسع من يصلى بها حربا * يتم العيال وإثكال المثاكيل اسم الوغى اشتق من غوغاء يحربها * يغدون للموت كالطير الأبابيل واللّه لو أن جبريلا تكفّل لي * بالنصر ما خاطرت نفسي لجبريل هل غير أن يعذروني إنني فشل * فكل هذا نعم فاغروا بتعزيلي إن أعتذر من فراري في الوغي أبدا * كان اعتذاري رديدا غير مقبول اسمع أخبرك عن بأسي بذي سلب * خلاف بأس المساعير البهاليل لما بدت منهم نحوي عشوزنة * شماء تشرع في عرضي وفي طولي