الجاحظ

107

المحاسن والأضداد

والناس منهم شامت وعصابة * عبراتهم لي بالحلوق شواجي ففلقت هامته فخرّ مكانه * أطم تقوض مائل الأبراج ثم انثنيت وفي قميصي شاهد * مما جرى من شاخب الأوداج أيقنت أني ذو حفاظ ماجد * من نسل املاك ذوي أتواج فلئن قذفت إلى المنيّة عامدا * إني لخيرك بعد ذلك راجي علم النّساء بأنني لا أنثني * إذ لا يثقن بغيرة الأزواج وحكى عن الطفيل بن عامر العمري « 1 » قال : خرجت ذات يوم أريد الغار ، وكنت رجلا أحب الوحدة ، فبينا أنا أسير إذ ضللت الطريق الذي أردته ، فسرت أياما لا أدري أين أتوجه حتى نفذ زادي ، فجعلت آكل الحشيش وورق الشجر حتى أشرفت على الهلاك ويئست من الحياة ، فبينا أنا أسير إذ أبصرت قطيع غنم في ناحية من الطريق فملت إليها ، وإذا شاب حسن الوجه فصيح اللسان ، فقال لي : يا بن العم أين تريد ؟ فقلت : أردت حاجة لي من بعض المدن وما ظني إلّا قد ضللت الطريق ، فقال : أجل ! إن بينكم وبين الطريق مسيرة أيام فأنزل حتى تستريح وتطمئن وتريح فرسك ، فنزلت فرمى لفرسي حشيشا وجاء إليّ بثريد كثير ولبن ، ثم قام إلى كبش فذبحه وأجج نارا وجعل يكبب لي ويطعمني حتى اكتفيت ، فلما جننا الليل قام وفرش لي وقال : قم فارم بنفسك فإن النوم أذهب لتعبك وأرجع لنفسك ، فقمت ووضعت رأسي ، فبينا أنا نائم إذ أقبلت جارية لم تر عيناي مثلها قط حسنا وجمالا ، فقصدت إلى الفتى وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه ما يلقى من الوجد به ، فامتنع علي النوم لحسن حديثهما فلما كان في وقت السحر قامت إلى منزلها ، فلما أصبحنا دنوت منه فقلت له : ممن الرجل ؟ قال : أنا فلان بن فلان ، فانتسب لي فعرفته فقلت له : ويحك ! إن أباك

--> ( 1 ) الطفيل بن عامر أحد الشجعان ، من وجوه قومه . اشترك مع والده في ثورة ابن الأشعث على الحجاج بالعراق ، وقتل في وقعة يوم الزاوية ، فرثاه والده بقصيدة معروفة . توفي سنة 82 ه .