السيد محمد الحسيني الشيرازي

23

الزهد

فقد كنت أضغط على نفسي للبقاء في مسجد السهلة ، أو مسجد الكوفة طول الليل ساهراً جائعاً ، والمواظبة على الذكر والصلاة والعبادة . وهناك في جوف الليل المظلم الذي تنعكس فيه روحانية نفسيّة - تدرك ولا توصف - تتقوّى ملكة الزهد في الإنسان ، فيرى الحياة لهواً ولعباً « 1 » ، رؤية حسية لا رؤية فكرية . فإنه وإن كان من الجرأة أن أقول ذقت حلاوة العبادة هناك ، لكن قد لا يكون من الجرأة أن أقول : أدركت هناك بعض حلاوة المعنويات ، إذ في باطن الإنسان حسٌ يحسّ بشيء غير المادّة ، وله لذّة لا تقايس بلذّة المادّة ، وقد شعرت هناك مرّات ومرّات أني محروم من هذا الحس ، وأنّ تحصيله من الصعوبة بمكان ، وقد أدركت معنى قول ( سعدي ) « 2 » في أبياته الطريفة : اكر لذّت ترك لذّت بدانى * دكَر لذّت دهر لذّت نخواني هزاران در از خلق برخود ببندي * اكر باز شد يك در آسماني ومضمونها : ( إذا كنت تشعر وتعلم بطعم ترك اللذّة . . عندها لا تعد لذّة الدهر لذّة . . توصد على نفسك آلافاً من أبواب الناس ، إذا ما فتح لك رب العالمين بابا من السماء ) . وإني إلى الآن أغبط نفسي على تلك الحالة التي كانت حالة مثالية . أما الوصول إلى ما وصل إليه الزهّاد فكان بيني وبينه - بَعدُ - مراحل .

--> ( 1 ) - إشارة إلى قوله تعالى : وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب سورة العنكبوت : 64 . ( 2 ) - هو الشيخ مصلح الدين سعدي بن عبد الله الشيرازي ( - 690 ه - ) / ( 1189 - 1291 م ) الشاعر والناثر الفارسي ، تعلم في نظامية بغداد ، وكان كثير الأسفار ، له : ( كلستان ) و ( بوستان ) و ( الديوان ) وقد نقلت إلى عدة لغات . .