ابن حجر العسقلاني

112

فتح الباري

ومن وافقه والقياس مع الآخرين فيتردد الحال بين ظن نشأ عن قياس وبين ظن نشأ عن ظاهر الخبر مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصية وهى وإن كانت على خلاف الأصل لكن يتقوى ذلك بكثرة خصائص النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح وخصوصا خصوصيته بتزويج الواهبة من قوله تعالى وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي الآية ومن جزم بان ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكتم فيما أخرجه البيهقي قال وكذا نقله المزنى عن الشافعي قال وموضع الخصوصية أنه أعتقها مطلقا وتزوجها بغير مهر ولا ولى ولا شهود وهذا بخلاف غيره وقد أخرج عبد الرزاق جواز ذلك عن علي وجماعة من التابعين ومن طريق إبراهيم النخعي قال كانوا يكرهون أن يعتق أمته ثم يتزوجها ولا يرون بأسا أن يجعل عتقها صداقها وقال القرطبي منع من ذلك مالك وأبو حنيفة لاستحالته وتقرر استحالته بوجهين أحدهما أن عقدها على نفسها اما أن يقع قبل عتقها وهو محال لتناقض الحكمين الحرية والرق فان الحرية حكمها الاستقلال والرق ضده وأما بعد العتق فلزوال حكم الجبر عنها بالعتق فيجوز أن لا ترضى وحينئذ لا تنكح الا برضاها الوجه الثاني أنا إذا جعلنا العتق صداقا فاما أن يتقرر العتق حالة الرق وهو محال لتناقضهما أو حالة الحرية فيلزم سبقيته على العقد فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه وهو محال لان الصداق لا بد أن يتقدم تقرره على الزوج اما نصا واما حكما حتى تملك الزوجة طلبه فان اعتلوا بنكاح التفويض فقد تحرزنا عنه بقولنا حكما فإنها وان لم يتعين لها حالة العقد شئ لكنها تملك المطالبة فثبت أنه يثبت لها حالة العقد شئ تطالب به الزوج ولا يتأتى مثل ذلك في العتق فاستحال أن يكون صداقا وتعقب ما ادعاه من الاستحالة بجواز تعليق الصداق على شرط إذا وجد استحقته المرأة كأن يقول تزوجتك على ما سيستحق لي عند فلان وهو كذا فإذا حل المال الذي وقع العقد عليه استحقته وقد أخرج الطحاوي من طريق نافع عن ابن عمر في قصة جويرية بنت الحرث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عتقها صداقها وهو مما يتأيد به حديث أنس لكن أخرج أبو داود من طريق عروة عن عائشة في قصة جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما جاءت تستعين به في كتابتها هل لك أن أقضى عنك كتابتك وأتزوجك قالت قد فعلت وقد استشكله ابن حزم بأنه يلزم منه إن كان أدى عنها كتابتها أن يصير ولاؤها لمكاتبها وأجيب بأنه ليس في الحديث التصريح بذلك لان معنى قولها قد فعلت رضيت فيحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عوض ثابت بن قيس عنها فصارت له فأعتقها وتزوجها كما صنع في قصة صفية أو يكون ثابت لما بلغته رغبة النبي صلى الله عليه وسلم وهبها له وفى الحديث أن للسيد تزويج أمته إذا أعتقها من نفسه ولا يحتاج إلى ولى ولا حاكم وفيه اختلاف يأتي في باب إذا كان الولي هو الخاطب بعد نيف وعشرين بابا قال ابن الجوزي فان قيل ثواب العتق عظيم فكيف قوته حيث جعله مهرا وكان يمكن جعل المهر غيره فالجواب ان صفية بنت ملك ومثلها لا يقنع الا بالمهر الكثير ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم إذا ذاك ما يرضيها ولم ير أن يقتصر فجعل صداقها نفسها وذلك عندها أشرف من المال الكثير * ( قوله باب تزويج المعسر ) تقدم في أوائل كتاب النكاح باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والاسلام وهذه الترجمة أخص من تلك وعلق هناك حديث سهل الذي أورده في هذا الباب مبسوطا وسيأتي شرحه بعد ثلاثين بابا