عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
240
الارشاد و التطريز
فخفت أن أسلّم عليك ، فأشتغل بالسلام ، فآثم وأخون . فقلت له : فرأيتك تنظر عن يمينك وشمالك ، أتخاف ؟ قال : نعم . قلت : ممّ ذا ؟ قال : من الموت ، لا أدري من أين يأتي ؟ أمن يميني أم من شمالي ؟ فقلت : فبكم تعمل كلّ يوم ؟ قال : بدرهم ودانق . قلت : فما ذا تصنع به ؟ قال : أتقوّت بالدّانق [ أنا وأهلي ] ، وأنفق الدّرهم على أولاد لأخي . قلت : أمن أمّك وأبيك ؟ قال : لا ، بل آخيته « 1 » في اللّه عزّ وجلّ ، ومات ، فأنا أقوم بأهله وأولاده . فقلت له : هل دعوت اللّه في حاجة فأجابك فيها ؟ قال : لي حاجة أنا منذ عشرين سنة أدعو اللّه عزّ وجلّ وما قضاها . قلت : وما هي ؟ قال : بلغني أنّ في العرب رجلا تميّز عن الزاهدين ، وفاق العابدين يقال له إبراهيم بن أدهم ، دعوت اللّه عزّ وجلّ في رؤيته ، وأموت [ بين يديه ] . فقلت : أبشر يا أخي ، قد قضى اللّه حاجتك [ وقبل دعوتك ] ، وما رضي لي أن آتي إليك إلّا سحبا على وجهي . قال : فوثب من مكانه ، وعانقني ، وسمعته يدعو ويقول : اللّهمّ ، قضيت حاجتي ، وأجبت دعوتي ، اللّهمّ اقبضني . فأجاب اللّه تعالى دعوته الثانية في الحال ، وسقط ميتا ، رحمه اللّه ونفع به « 2 » . * وقيل : كان عامّة دعاء إبراهيم بن أدهم : اللّهمّ ، انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك . * وقال الأستاذ أبو عليّ الدّقاق : ظهرت علّة بيعقوب بن الليث « 3 » ، أعيت الأطباء ، فقالوا له : في ولايتك رجل صالح يسمّى سهل بن عبد اللّه ، لو دعا لك ، لعلّ اللّه يستجيب له . فاستحضره ، وقال : ادع اللّه لي . فقال سهل : كيف يستجاب دعائي فيك ، وفي حبسك مظلومون ؟ ! فأطلق كلّ من في حبسه . فقال سهل : اللّهمّ ، كما أريته ذلّ المعصية ، فأره عزّ الطاعة ، وفرّج عنه . فعوفي ، فعرض مالا على سهل ، فأبى أن يقبله ، فقيل له : لو قبلته ودفعته إلى الفقراء . فنظر إلى الحصى في الصحراء ، فإذا هي جواهر ، فقال : من يعطى مثل هذا ، يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث « 4 » .
--> ( 1 ) في هامش ( أ ) وروض الرياحين 378 : أحببته . ( 2 ) روض الرياحين 388 ( الحكاية 347 ) وما بين معقوفين مستدرك منه . ( 3 ) يعقوب بن الليث من أبطال العالم ، وأحد الأمراء الدهاة ، غلب على سجستان سنة ( 247 ) وامتلك هراة ، واعترض الترك فقتل ملوكهم ، واستولى على فارس ونيسابور ، مات سنة 265 . ( 4 ) روض الرياحين 307 ( الحكاية 253 ) .