عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

191

الارشاد و التطريز

الفعال عفا اللّه عنّا وعنه ، وكان بيني وبينه معرفة ، فقرأت شيئا من القرآن ، وأهديته إليه . وكان غائبا في بلد بعيد ، فجاءني الخبر أنّه رآه بعض أصحابه في النوم ، وقال له : سلّم على فلان ، وقل له جزاه اللّه عنّي خيرا كما أهدى إليّ القرآن . * ورأيت والدي رحمه اللّه وعامله بفضله وكرمه في النّوم بعد موته ، وهو كالعتبان عليّ لكونه مات وأنا غائب غيبة طويلة ، وقال : لو كنت تجد ما أجد ، ما كنت تغيب هذا القدر . فقلت له : أما علمت أنّ يعقوب عليه السلام غاب عنه ابنه كذا وكذا سنة ؟ قال : يا ولدي ، أو تشبهنا بالأنبياء ؟ أو قال : صبرنا بصبر الأنبياء ؟ « 1 » فوجلت من هذه الرؤيا لكوني لم أر منه إقبالا عليّ . فلزمت قبره جماعة أيام أقرأ عليه القرآن . فرأيته في أول جمعة من رجب في النوم بعد المنام الأول بليال ، فرحّب بي ، وبشّ في وجهي ، وقال : الحمد للّه الذي منّ عليّ بثلاث خصال : الأولى الاجتماع ، ثم انتبهت قبل أن يذكر لي الخصلتين الأخريين ، وأسأل اللّه الكريم أن يعامله بكلّ خير . * وكذلك رأيت والدتي رحمها اللّه من بعد ما قرأت القرآن ، وأهديته إليها مرارا . رأيت كأنّ قبرا مفتوحا قد دخلت فيه ، فإذا هو واسع ، ولا أرى فيه أحدا إلّا أرجل سرير ، فرفعت طرفي فإذا السرير عال ، وإذا عليه شخص نائم ، فقلت : ما أقبح فعال بني الدنيا ! ما يتركون الرّعونة والترفّه ، حتى بعد الموت يدخلون في القبور السّرر للموتى ، فإذا صاحب السّرير يناديني إليه ، فصعدت ، فإذا هي والدتي رحمها اللّه تعالى برحمته الواسعة ، وجزاها عنّي أفضل الجزاء ، فسلّمت عليّ سلاما بغاية الشّفقة والرأفة ، وسألتني عن أخ لي كان حيّا ، وودّعتني ، فانتبهت ووجدت الشّجن بذلك السلام . والشفقة البالغة في قلبي مدّة طويلة ، حتى إذا ذكرت ذلك وجدت تأثيره إلى الآن « 2 » . * ورأيت في النوم أيضا بعض شيوخي الذي أقرأني القرآن بعد موته ، وإذا هو لابس في ساقيه خلخالين ، ونصف كلّ واحد منهما ذهب والنّصف الآخر فضة ، في جهة الطّول ، وليست بينهما لحمة ولا انفصال أصلا - أعني الذّهب والفضة - وهما يحيّران العقل

--> ( 1 ) في روض الرياحين 245 ( الحكاية 168 ) : صبرنا كصبر الأنبياء . ( 2 ) انظر الخبر مطولا في روض الرياحين 243 ( الحكاية 164 ) .