عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
122
الارشاد و التطريز
عليها [ وإحلالها بعقوبة الذل ] بما يذكّرها من حقارة قدرها ، وخساسة أصلها ، وقذارة فعلها . وجهد العوام في توفية « 1 » الأعمال ، وقصد الخواصّ إلى تصفية الأحوال ، فإنّ مقاساة الجوع والسهر يسير ، ومعالجة الأخلاق والتنقّي عن سفاسفها صعب شديد ، ومن غوامض آفات النفس ركونها إلى استحلاء المدح ، فإنّ من تحسّى منه جرعة حمل السّماوات والأرضين مثلا على أشفاره « 2 » ، وأمارة ذلك أنّه إذا انقطع عنه ذلك الشّراب آل حاله إلى الكسل والفشل « 3 » . * وقال : من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة ، لم يجد من هذه الطريقة شمّة . * وقال يحيى بن معاذ : من لم ينظر في الدّقيق من الورع ، لم يصل إلى الجليل من العطاء . * وقيل : إنّ مالك بن دينار رضي اللّه عنه مكث في البصرة أربعين سنة لم يأكل من تمر « 4 » البصرة ، ولا من رطبها ، حتى مات ولم يذقه . وكان إذا انقضى وقت الرّطب قال : يا أهل البصرة ، هذا بطني ما نقص منه شيء ، ولا زاد فيكم . * وقيل لإبراهيم بن أدهم : ألا تشرب من ماء زمزم ؟ فقال : لو كان لي دلو لشربت . * وكان رجل يكتب رقعة وهو في بيت بكراء ، فأراد أن يترّب الكتاب من جدار البيت ، فخطر بباله أنّ البيت بالكراء ، ثم إنّه خطر بباله : لا خطر لهذا ، فترّب الكتاب ، فسمع هاتفا يقول : سيعلم المستخفّ بالتّراب ما يلقاه غدا من طول الحساب . * وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّه قال : جلساء اللّه غدا أهل الورع والزهد . * وقال الأستاذ أبو علي الدّقاق رضي اللّه عنه : الزّهد أن تترك الدّنيا كما هي ، لا تقول : أبني رباطا ، وأعمّر مسجدا . * وأنشد بعضهم : إذا ما لم تكن ملكا مطاعا * فكن عبدا لمالكه مطيعا
--> ( 1 ) في المطبوع : ترقية . ( 2 ) في هامش ( أ ) : الشفر بالضم ، وقد تفتح حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر . « النهاية » . ( 3 ) الرسالة القشيرية 198 ، باب المجاهدة . ( 4 ) في ( ب ) : ثمر .