أبي هلال العسكري

57

ديوان المعاني

فيه وما أردنا به . واعلم أنك إن كنت مستغنيا بتنسكك فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه ، محتاج إليه ، وأن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك فيهيئ لك على ظاهر محبتك . ولو وقع فيه توقي المتزمتين لذهب شطر بهائه ، وشطر مائه ، ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك . وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين . وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة ، فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك ، وتعرض بوجهك ، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم ، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب ، وأكل لحوم الناس بالغيب . . . ولم أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هجيراك على كل حال ، وديدنك في كل مقال ، بل الترخص مني فيه عند حكاية تحكيها ، أو رواية ترويها تنقصها الكناية ، ويذهب بحلاوتها التعريض ، وأحببت أن نجري في القليل من هذا ، على عادة السلف الصالح في إرسال النفس على سجيتها ، والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع ، ولا تستشعر أن القوم قارفوا وتنزهت ، وثلموا أديانهم وتورعت " « 1 » . ومن اللافت أيضا التعليق العقلي المتحرر من إسار التقليد والتزمت للأستاذ السيد أحمد صقر على ما ذكره ابن قتيبة ، ونصه : " وهذا كلام رائق معجب ، ينبغي أن نتلقاه بالتقدير والإجلال ، ولا سيما إذا تمثلنا أنه قيل في القرن الثالث ، وأن قائله رجل من رجال الدين يؤلف في التفسير والحديث ، وينصب نفسه للدفاع عنهما ضد نزعات الشك الفلسفي التي نجمت نواجمها في ذلك العصر " « 2 » . وهذا الموقف نجده أيضا عند الجاحظ ( ت حوالي 255 ه ) ، فقد عدّ من يتجنب ذكر الأعضاء التناسلية والحكاية عنها ، متصنعا ، مرائيا ، يقول : " وبعض من يظهر النسك والتقشف إذا ذكر الحر والأير والنّيك تقزز وانقبض . وأكثر من تجده

--> ( 1 ) تأويل مشكل القرآن 76 . ( 2 ) تأويل مشكل القرآن 76 .