أبي هلال العسكري
353
ديوان المعاني
ومن يرع شرقي البلاد سوامه [ 1 ] * وغربيها يملّكه صاحبه ومن يخلط الماء الزّلال بآجن * من الماء تخبث ما تطيب مشاربه وكتبت جوابا عن كتاب نقصت فيه من الخطاب : وقفت على الفصل المؤذن بالجفاء المشتمل على سوء الجزاء وعلى ما احتواه من دنيء الخطاب ووضيع الدعاء وعجبت كيف حططت الدعاء من رتبته المعروفة ، وخفضت الخطاب عن درجته المألوفة [ 259 ز ] وأنت على منزلتك لم تزدد نقيرا ، وأنا في درجتي لم أنقص قطميرا فكيف لو زدت زادك اللّه بصرا [ 2 ] بما لك وعليك ، وأراك من عيبك ما لا يتصور لديك ، وكفاك من شر نفسك ما هاصر عليك من كيد عدوك وشماتة حسودك ، ولا أختار لك أن تتكبر كلما تكبر ، وتتجبر كلما تجبر ، فقد سمعت ما قال يحيى بن خالد : من بلغ رتبة فتاه أخبر أن محله دونها ، ومن بلغها فتواضع ، أعلم أن حقه فوقها ، فكيف والأحوال على ما كانت عليه ، لم يصر الهلال بدرا ولا الشبل ليثا ولا الغصن ساقا ولا القطوف معتاقا . والعرب تسمي الكبر تيها وهو الحيرة ؛ لأن صاحبه لا يهتدي لرشاد ، ولا يصل إلى سداد ، ولو لم يكن إلا التطير من اسمه ، دون التحلي بقبح سمته ورسمه ، لكان العاقل حقيقا بتركه وخليقا برفضه ، وقد قيل ليس لمعجب رأي ، ولا لمتكبر صديق ، فإياك أن تحرم نفسك بكبرك الذي يضرك ولا ينفعك ، ويحطك ولا يرفعك استفادة الإخوان الذين هم أبلغ في الخير والشر من البيض الحداد ، وأحضر عناء في الأمن والخوف من الطرائف [ 260 ز ] والتلاد ، فإن ذلك غبن كبير وحرمان جسيم ، وقد قال الأول : [ أبو العتاهية ] ما بال من أوله نطفة * وآخره جيفة [ 3 ] يفخر « 1 »
--> [ 1 ] وسوامه في ( ج ) . [ 2 ] بصيرا في ( ن ) و ( م ) . [ 3 ] وجيفة آخره يفخر ( ديوانه ) . ( 1 ) لأبي العتاهية في ديوانه 152 والكامل للمبرد 2 / 522 والإيضاح في علوم البلاغة 599 والمناقب والمثالب 387 .