أبي هلال العسكري
26
ديوان المعاني
شعورية أو لا شعورية وقد أدرك المبدعون أنفسهم هذه الحقيقة منذ العصر الجاهلي حيث وجدنا عنترة يتحدث عنها في شعره قائلا : هل غادر الشّعراء من متردّم * أم هل عرفت الدّار بعد توهّم « 1 » كما تنبه النقاد العرب قبل أبي هلال إلى فكرة تداول المعاني في المدونات الأولى للنقد العربي ، وإن كان ذلك في إشارات عابرة من مثل ما أشار إليه ابن سلّام من أن امرأ القيس سبق العرب إلى أشياء ابتدعها واستحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء « 2 » . على أن فكرة تداول المعاني لم تطرح بشكلها العميق إلا عند أبي هلال ومعاصريه من النقاد ، يتبين ذلك في قوله : ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدموا ، والصب على قوالب من سبقهم ، ولكن عليهم - إذا أخذوها - أن يكسوها ألفاظا من عندهم ويبرزوها في معارض من تأليفهم ، ويوردوها في غير حليتها الأولى ، ويزيدوها في حسن تأليفها وجودة تركيبها وكمال حليتها ومعرضها . فإذا فعلوا ذلك ، فهم أحق بها ممن سبقوا إليها ، ولولا أن القائل يؤدي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول ، وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين « 3 » . وعلى ذلك فأبو هلال يدرك أن السرقة ليست في الفكرة أو المعنى كما أطلق عليها الجاحظ ، لأن المعاني مشتركة عامة ، ولكن ما يميز الإبداع الفني هو طريقة التعبير عن الفكرة ، وعليه فقد اتضح في ذهن أبي هلال حقيقة المعنى الأدبي التخييلي الخاص ، واختلافه عن المعنى العقلي العام ، ذاهبا إلى أن المعاني العقلية مشتركة عامة لا تفاضل فيها تنتفي عنها السرقة ، ولكن المعنى الخاص الذي يبتدعه
--> ( 1 ) ديوان عنترة 182 . ( 2 ) طبقات فحول الشعراء 55 . ( 3 ) الصناعتين 202 .