ابن حجر العسقلاني

166

فتح الباري

ونقلت هناك أن سيبويه قال أن معنى أما بعد مهما يكن من شئ وأقول هنا سيبويه لا يخص ذلك بقولنا أما بعد بل كل كلام أوله أما وفيه معنى الجزاء قاله في مثل أما عبد الله فمنطلق والفاء لازمة في أكثر الكلام وقد تحذف وهو نادر قال الكرماني فإن قلت أما للتفصيل فأين القسيم ثم أجاب بأن التقدير أما الابتداء فهو بسم الله وأما المكتوب فهو من محمد الخ وأما المكتوب به فهو ما ذكر في الحديث وهو توجيه مقبول لكنه لا يطرد في كل موضع ومعناها الله الفصل بين الكلامين واختلف في أول من قالها فقيل داود عليه السلام وقيل يعرب بن قحطان وقيل كعب بن لؤي وقيل قس بن ساعده وقيل سحبان وفي غرائب مالك الدارقطني أن يعقوب عليه السلام قالها فإن ثبت وقلنا أن قحطان من ذرية إسماعيل فيعقوب أول من قالها مطلقا وإن قلنا أن قحطان قبل إبراهيم عليه السلام فيعرب أول من قالها والله أعلم ( قوله أسلم تسلم ) فيه بشارة لمن دخل في الاسلام أنه يسلم من الآفات اعتبارا بأن ذلك لا يختص بهرقل كما أنه لا يختص بالحكم الآخر وهو قوله أسلم يؤتك الله أجرك مرتين لان ذلك عام في حق من كان مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ( قوله وأسلم يؤتك ) فيه تقوية لاحد الاحتمالين المتقدمين في بدء الوحي وأنه أعاد أسلم تأكيدا ويحتمل أن يكون قوله أسلم أولا أي لا تعتقد في المسيح ما تعتقده النصارى وأسلم ثانيا أي ادخل في دين الاسلام فلذلك قال بعد ذلك يؤتك الله أجرك مرتين * ( تنبيه ) * لم يصرح في الكتاب بدعائه إلى الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة لكن ذلك منطو في قوله والسلام على من أتبع الهدى وفي قوله أدعوك بدعاية الاسلام وفي قوله أسلم فإن جميع ذلك يتضمن الاقرار بالشهادتين ( قوله إثم الأريسيين ) تقدم ضبطه وشرحه في بدء الوحي ووجدته هناك في أصل معتمد بتشديد الراء وحكى هذه الرواية أيضا صاحب المشارق وغيره وفي أخرى الأريسين بتحتانية واحدة قال ابن الأعرابي ارس يأرس بالتخفيف فهو أريس وأرس بالتشديد يؤرس فهو أريس وقال الأزهري بالتخفيف وبالتشديد الاكار لغة شامية وكان أهل السواد أهل فلاحة وكانوا مجوسا وأهل الروم أهل صناعة فأعلموا بأنهم وإن كانوا أهل كتاب فإن عليهم إن لم يؤمنوا من الاثم إثم المجوس انتهى وهذا توجيه آخر لم يتقدم ذكره وحكى غيره أن الأريسيين ينسبون إلى عبد الله بن أريس رجل كان تعظمه النصارى ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى وقيل أنه من قوم بعث إليهم نبي فقتلوه فالتقدير على هذا فإن عليك مثل إثم الأريسيين وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أريس كانوا أهل مملكة هرقل ورده بعضهم بأن الأريسيين كانوا قليلا وما كانوا يظهرون رأيهم فإنهم كانوا ينكرون التثليث وما أظن قول ابن حزم إلا عن أصل فإنه لا يجازف في النقل ووقع في رواية الأصيلي اليريسيين بتحتانية في أوله وكأنه بتسهيل الهمزة وقال ابن سيده في المحكم الأريس الاكار عند ثعلب والأمين عند كراع فكأنه من الأضداد أي يقال للتابع والمتبوع والمعنى في الحديث صالح على الرأيين فإن كان المراد التابع فالمعنى إن عليك مثل إثم التابع لك على ترك الدخول في الاسلام وأن كان المراد المتبوع فكأنه قال فإن عليك إثم المتبوعين وإثم المتبوعين يضاعف باعتبار ما وقع لهم من عدم الاذعان إلى الحق من اضلال أتباعهم وقال النووي نبه بذكر الفلاحين على بقية الرعية لأنهم الأغلب ولأنهم أسرع انقيادا وتعقب بأن من الرعايا غير الفلاحين من له صرامة وقوة وعشيرة