البغدادي

7

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وهذا أحد جوابين أجاب بهما الشارح عن إشكاله « 1 » ، وهو أنّ « الفاء » تقتضي التفريق ، وهو مناف لما تفهمه « بين » من الاجتماع ، لأنّ البينيّة نسبة ، وأقلّ ما تستدعيه منتسبان . وأنت إذا قلت : المال بين زيد وعمرو ، فقد أفدت احتواءهما عليه ، واجتماعهما على ملكه . ولهذا الإشكال أنكر الأصمعي ومن تبعه رواية الفاء ، وقال : إنما الرواية : « وحومل وتوضح والمقراة » . قال العسكري في « كتاب التصحيف » « 2 » : تكلم الناس في قوله : « بين الدخول فحومل » ، قال أبو إسحاق الزّيادي : الرواية : « بين الدخول وحومل » ، ولا يكون « فحومل » . لأنك لا تقول : رأيتك بين زيد فعمرو . وهذا سمعه الزياديّ من الأصمعي ، فسألت ابن دريد عن الرواية ، فحكى ما قال الأصمعي ولم يزد عليه ، فسألت أبا بكر محمد بن علي بن إسماعيل « 3 » ، فقلت : قال الأصمعي : لا يجوز أن تقول : رأيته بين زيد فعمرو . وكان ينكر « بين الدخول فحومل » . فأملى عليّ الجواب ، فقال : إنّ لكلّ حرف من حروف العطف معنى ، فالواو تجمع بين الشيئين ، نحو : قام زيد وعمرو ، فجائز أن يكونا كلاهما قاما في حالة واحدة ، وأن يكون قام الأول بعد الثاني ، وبالعكس . و « الفاء » إنما هي دالة على أنّ الثاني بعد الأول ، ولا مهلة بينهما . فقال الأصمعي - وكان ضعيفا في النحو - غير أنه كان ذا فطنة : أطبقت الرواة على « بين الدخول وحومل » ، ولا يجوز فحومل ، لأنه ليس يقصد أن يكون بيانا لشيئين أحدهما بعد الآخر « 4 » ، ثم يكون الشيء بينهما ، إنما يريد أنهما لا يجتمعان ، وهو بينهما ، كما تقول : زيد بين الكوفة والبصرة ، ولا تقول : فالبصرة . فقد أجاد فطنة . انتهى .

--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " عن إشكال " . ( 2 ) النص في شرح أبيات المغني للبغدادي 4 / 21 - 22 . ( 3 ) هو النحوي المعروف بمبرمان ، تتلمذ على يدي المبرد والزجاج ، أستاذ الفارسي والسيرافي . توفي سنة 326 ه . إنباه الرواة 3 / 189 . ومراتب النحويين ص 135 . ( 4 ) في شرح أبيات المغني 4 / 22 : " لأنه ليس يقصد بيان أن يكون الشيئان أحدهما بعد الآخر ، ثم يكون الشيء بينهما " .