البغدادي

506

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وقد تكلّف بعض المتأخرين نصب الماء ، في القول الذي ذهب إليه أبو علي ، وذلك على إضمار فاعل ارتوى ، قياسا على ما حكاه سيبويه من قولهم : إذا كان غدا فأتني ، أي : إذا كان ما نحن فيه من الرخاء أو البلاء غدا . فقدّر ما ارتوى الناس الماء . وأنشد على هذا قول الشاعر « 1 » : ( الطويل ) إذا كان لا يرضيك حتّى تردّني * إلى قطريّ ما إخالك راضيا أراد : إن كان لا يرضيك شأني أو ما أنا عليه ، فأضمر ذلك للعلم به . وأقول : إنّ الإضمار فيما حكاه سيبويه حسن ، لأنه معلوم . وتقدير إضمار الناس في قوله : ما ارتوى الماء ، بعيد . انتهى . ولا يخفى أن هذا القول تعسّف من وجهين : أحدهما : حذف الفاعل من غير الصور المعدودة . وثانيهما : حذف الباء ، وحرف الجر لا يحذف إلّا سماعا . ثم قال ابن الشجري : وغير أبي عليّ ومن اعتمد على قوله ، رووا نصب الماء ، ولم يرووا فيه الرفع ، فلزموا ظاهر اللفظ والمعنى ، فذهبوا إلى أنّ الفاعل لارتوى مرتوي . وأبو طالب العبديّ منهم ، وذلك أنه ذكر لفظ أبي علي في تعريب البيت ، ثم قال : وأنا مطالب بفاعل ارتوى . ثم مثّل قوله ما ارتوى الماء مرتوي بقوله : ما شرب ، أي : أبدا . فدلّ كلامه على أنه لم يعرف المعنى الذي ذهب إليه أبو علي ، من نصب مرتوي على أنه خبر كان ، أو رفعه على أنه خبر ليت . والقول عندي فيه أنّ الالتزام بالظاهر على ما ذهب إليه العبديّ أشبه بمذاهب العرب فيما يريدون به التأبيد ، كقولهم : لا أفعل كذا ما طار طائر ، ولا أكلّمك ما سمر سامر .

--> ( 1 ) البيت لسوار بن المضرب في الحماسة الشجرية 1 / 208 ؛ وشرح التصريح 1 / 272 ؛ والكامل في اللغة 1 / 300 ؛ والمقاصد النحوية 2 / 451 ؛ ونوادر أبي زيد ص 45 . وهو بلا نسبة في أوضح المسالك 2 / 90 ؛ والخصائص 2 / 433 ؛ وشرح الأشموني 1 / 169 ؛ وشرح المفصل 1 / 80 ؛ والمحتسب 2 / 192 .