البغدادي

348

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

الجهل بمكانه ، ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب . وإذا كان معروفا فقد استغني بمعرفته عن تأكيده باللام . ألا ترى أنه يقبح أن تأتي بالمؤكّد وتترك المؤكّد فلا تأتي به ؟ أو لا ترى أنّ التأكيد من مواضع « 1 » الإسهاب والإطناب ، والحذف من مواضع الاكتفاء والاختصار ؟ ! فهما إذن لما ذكرت من ذلك ضدّان ، لا يجوز أن يشتمل عليهما عقد كلام « 2 » . ويزيدك وضوحا امتناع أصحابنا من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ ، في نحو : زيد ضربت ، فيمن أجازه ، فلا يجيزون : زيد ضربت نفسه ، على أن تجعل النفس توكيدا للهاء المرادة في ضربته ، لأن الحذف لا يكون إلّا بعد التحقّق والعلم ، وإذا كان ذلك كذلك فقد استغني عن تأكيده . ويؤكّد عندك ما ذكرت لك أنّ أبا عثمان وغيره من النحويين حملوا قول الشاعر : * أمّ الحليس لعجوز شهربه * على أنّ الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة . ولو كان ما ذهب إليه أبو إسحاق جائزا لما عدل عنه النحويون ، ولا حملوا الكلام على الاضطرار ، إذا وجدوا له وجها ظاهرا قويّا . وحذف المبتدأ وإن كان سائغا في مواضع كثيرة ، فإنه إذا نقل عن أوّل الكلام قبح حذفه . ألا ترى إلى ضعف قراءة من قرأ : « تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ » « 3 » ، قالوا : ووجه قبحه أنه حذف المبتدأ في موضع الإيضاح والبيان ، لأنّ الصلة وقعت في الكلام ، فغير لائق به الحذف . وإذا طال الكلام جاز فيه من الحذف ، ما لا يجوز فيه إذا قصر . ألا ترى إلى ما حكاه الخليل من قولهم : ما أنا بالذي قائل لك شيئا . ولو قلت :

--> ( 1 ) قوله : " الإسهاب والإطناب والحذف من مواضع " . ساقط من النسخة الشنقيطية . ( 2 ) كذا في طبعة بولاق وشرح أبيات المغني للبغدادي . وفي النسخة الشنقيطية : " عقد الكلام " . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 154 .