البغدادي
149
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وكذلك قوله تعالى « 1 » : « مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ » ، أي : مع الله . وأنت لا تقول : سرت إلى زيد ، أي : معه . لكنّه إنما جاء لما كان معناه : من ينضاف في نصرتي إلى الله ؟ إلى أن قال : ووجدت في اللغة من هذا الفنّ شيئا كثيرا ، لا يكاد يحاط به ، ولعله لو جمع أكثره ، لجاء كتابا ضخما . وقد عرفت طريقه ، فإذا مرّ بك شيء منه ، فتقبّله وأنس به ، فإنه فصل من العربية لطيف حسن ، يدعو إلى الأنس بها والفقاهة فيها . وفيه أيضا موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظان بمعنى واحد ، حتى تكلّف لذلك « 2 » أن يوجد فرقا بين قعد وجلس ، وذراع وساعد . ألا ترى أنه لما كان رفث بالمرأة ، بمعنى أفضى إليها ، جاز أن يتبع الرفث الحرف الذي بابه الإفضاء ، وهو إلى . وكذلك لما كان : هل لك في كذا ، بمعنى أدعوك إليه ، جاز أن يقال « 3 » : « هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى » ، كما يقال : أدعوك إلى أن تزكّى . انتهى كلامه . وقال ابن السيد البطليوسي في « شرح أدب الكاتب » « 4 » عند باب دخول بعض الصفات مكان بعض : هذا الباب أجازه أكثر الكوفيّين ، ومنع منه أكثر البصريين . وفي القولين جميعا نظر ؛ لأن من أجازه دون شرط ، لزمه أن يجيز : سرت إلى زيد ، وهو يريد : مع زيد . ثم مثّل بنحو ما مثّل به ابن جني ، وقال : وهذه المسائل لا يجيزها من يجيز إبدال الحروف . ومن منع من ذلك على الإطلاق لزمه أن يتعسّف في التأويل لكثير مما ورد في هذا الباب ، لأن في هذا الباب أشياء كثيرة ، يتعذّر تأويلها على غير وجه البدل ، ولا يمكن المنكرين لهذا أن يقولوا :
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 52 ؛ وسورة الصف : 61 / 14 . ( 2 ) في طبعة بولاق : " ذلك " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية والخصائص . ( 3 ) سورة النازعات : 79 / 18 . ( 4 ) انظر في ذلك الاقتضاب ص 239 - 266 .