البغدادي
133
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فمنهم من قال : كابرا عن كابر : جملة حالية نصب صدرها ، كما في قولهم : كلمته فاه إلى فيّ ، وأورد قول الشاعر : ( الكامل ) فتذاكروها آخرا عن أوّل * وتوارثوها كابرا عن كابر ومنهم من قال : كابرا مفرد وقع حالا ، أي : ورثوه كابرين ، أو صاغرين ، وأفرد لكونه بمعنى جمعا كابرا . قال السيد في « حاشية الكشاف » : وفيه أنّ هذه العبارة كما لا تختلف جمعا وإفرادا ، لا تختلف تأنيثا وتثنية . انتهى . ولا يخفى إنّ الحالية لا تتمشّى في كلّ موضع ، وليس في هذه الأبيات ما هو حال . ومنشأ هذا التكلّف ظنّ أنّ كابرا الأول : هو الوارث ، والثاني : هو الموروث منه . وليس كذلك ، وإنما الأول هو الموروث منه . وهذا المصراع من شعر كعب بن زهير ، إلّا أنه بضمير جمع . والشارح المحقق أورده لا على أنه شعر ، ولذا قال : « وكذا قولهم » . وقد ورد في شعر الفرزدق ما مثّل به ، إلّا أن فيه « المكارم » بدل « السيادة » ، وهو « 1 » : ( الكامل ) كم من أب لي يا جرير كأنّه * قمر المجرّة أو سراج نهار « 2 » ورث المكارم كابرا عن كابر * ضخم الدّسيعة كلّ يوم فخار « 3 » وأما شعر كعب بن زهير فهو من قصيدة مدح بها الأنصار رضي اللّه عنهم ، وهي ثلاثون بيتا ، مدحهم في ثمانية عشر بيتا منها . وسببها أن كعبا لمّا مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقصيدة « بانت سعاد » أطرى فيها بمدح المهاجرين رضي اللّه عنهم ، وعرّض في آخرها بذكر الأنصار بأنّهم سود صغار القامات ، لا يثبتون في الحروب ، فغضب الأنصار ، فمدحهم بها .
--> ( 1 ) البيتان للفرزدق من قصيدة يهجو بها جريرا ، وهما في ديوانه 2 / 450 . ( 2 ) في طبعة بولاق : " وكم من أب " بزيادة الواو . وهو ما يسمى في علم العروض بالخزم . والخزم : زيادة في أول البيت لا يعتد بها في التقطيع . ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية وديوانه . ( 3 ) الدسيعة : العطية . وأصله من دسع البعير بجرته .