البغدادي

74

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب ما لي ولا حرم يقول على القلب ، فهو محال ، وذلك لأنّ الجواب حدّه أن يكون بعد إن وفعلها الأوّل ، وإنّما يعنى بالشيء موضعه ، إذا كان في غير موضعه ، نحو : ضرب غلامه زيد ، لأنّ حدّ الغلام أن يكون بعد زيد . وهذا قد وقع في موضعه من الجزاء ، فلو جاز أن تعني به التقديم ، لجاز أن تقول : ضرب غلامه زيدا ، تريد ضرب زيدا غلامه . وأمّا ما ذكره من : من ، ومتى ، وسائر الحروف فإنّه يستحيل في الأسماء منها ، والظروف من وجوه في التقديم والتأخير ، لأنّك إذا قلت : آتي من أتاني ، وجب أن تكون من منصوبة بقولك : أتي ونحوه ، وحروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها ، فليس يجوز هذا ، إلّا أن تريد بها معنى الذي ومتى ، إذا قلت : آتيك متى أتيتني ، فمتى للجزاء ، وهو ظرف لأتيتني ، لأنّ حرف الجزاء لا يعمل فيه ما قبله ، ولكن الفعل الذي قبل متى أغنى عن الجواب ، كما قلت في إن في قولك : أنت ظالم إن فعلت . فأنت ظالم منقطع من إن وقد سدّ مسدّ الجواب . وكذلك آتيك قد سدّت مسدّ الجواب في متى وإن لم يكن منها في شيء ، لأنّ متى منصوبة بأتيتني « 1 » ، لأنّ حروف الجزاء من الظروف ، والأسماء إنّما يعمل فيهما ما بعدهما ، وهو الجزاء الذي يعمل فيه الجزم . والباب كلّه على هذا ، لا يجوز غيره . ولو وضع الكلام في موضعه لكان تقديره : متى أتيتني فأتيتك ، أي : فأنا آتيك . وأما قوله : * . . . من يأتها لا يضيرها * إنما هو من يضيرها لا يأتها ، فمحال أن ترتفع « من » بقولك لا يضيرها ومن مبتدأ ، كما لا تقول زيد يقوم ، فترفعه بيقوم . وكلّ ما كان مثله فهذا قياسه . وهذه الأبيات التي أنشدها كلّها لا تصلح إلّا على إرادة الفاء في الجواب ، كقوله : « اللّه يشكرها » ، لا يجوز إلّا ذلك . اه .

--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " لأن أتى " . وهو تصحيف صوابه من طبعة بولاق والأصول لابن السراج .